التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٣٨ - ٣ - عذوبة ألفاظه وسلاسة عباراته
ثمّ الكلمات التي يظنّ أنّها زائدة في القرآن- كما يقوله بعض النحاة- فإنّ فيه من ذلك أحرفا، كقوله تعالى: «فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ»[١] وقوله: «فَلَمَّا أَنْ جاءَ الْبَشِيرُ أَلْقاهُ عَلى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيراً».[٢]
قالوا: إنّ «ما» في الآية الاولى و «أنْ» في الثانية، زائدتان، أي في الإعراب، فيظنّ من لابصر له أنّهما كذلك في النظم ويقيس عليه!
مع أنّ في هذه الزيادة لونا من التصوير، لو حذف من الكلام لذهب بكثير من حسنه وروعته. فإنّ المراد بالآية الاولى تصوير لين النبيّ صلى الله عليه و آله لقومه، وأنّ ذلك رحمة من اللّه، فجاء هذا المدّ في «ما» وصفا لفظيا يؤكّد معنى اللين ويفخّمه، وفوق ذلك فإنّ لهجة النطق به تشعر بانعطاف وعناية لايبتدأ هذا المعنى بأحسن منهما في بلاغة السياق. ثمّ كان الفصل بين الباء الجارّة ومجرورها- وهو لفظ «رحمة»- ممّا يلفت النفس إلى تدبّر المعنى وينبّه الفكر على قيمة الرحمة فيه. وذلك كلّه طبعي في بلاغة الآية كماترى.
والمراد بالثانية تصوير الفصل الذي كان بين قيام البشير بقميص يوسف وبين مجيئه، لبُعد ما كان بين يوسف وأبيه عليهماالسلاموأنّ ذلك كأنّه كان منتظرا بقلق واضطراب[٣] تؤكّدهما وتصف الطرب لمقدمه واستقراره غنّةُ هذه النون في الكلمة الفاصلة، وهي: «أن» في قوله:
«أن جاء ...».
وعلى هذا يجري كلّ ما ظنّ أنّه في القرآن مزيد، فإنّ اعتبار الزيادة فيه وإقرارها بمعناها إنّما هو نقص يجلّ القرآن عنه، وليس يقول بذلك إلّا رجل يعتسف الكلام ويقضي فيه بغير علمه أو بعلم غيره ... فما في القرآن حرف واحد إلّا ومعه رأي يسنح في البلاغة- من جهة نظمه، أو دلالته، أو وجه اختياره- بحيث يستحيل البتة أن يكون فيه موضع قلق أو حرف نافر أو جهة غير محكمة أو شيء ممّا تنفذ فينقده الصنعة الإنسانية من أيّ أبواب الكلام إن وسعها منه باب.
[١] - آل عمران ١٥٩: ٣.
[٢] - يوسف ٩٦: ١٢.
[٣] - ينبّه على ذلك قوله تعالى قبل ذلك عن لسان يعقوب:« إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ». يوسف ٩٤: ١٢.