التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤٧٤ - رسالة الزمخشري في إعجاز سورة الكوثر
بسم اللّه الرَّحمان الرَّحيم
ساعات سيّدنا الإمام الزاهد الحبر العلّامة جاراللّه شيخ العرب والعجم، أدام اللّه إمتاع المسلمين ببقائه، وإن كانت مقصورة على الاستعداد للمعاد، مستغرقة في إتعاب خاطره الوقّاد في فنون الاجتهاد، لايفتر طرفة عَيْن عن تصنيف ينفث فيه سحره، ويلفظ للغوّاصين فيه درّه، بعد أن جشّم خاطره في «الكشّاف عن حقائق التأويل» وأجال رويّته في البحث عن وجوه التأويل، مدئبا في الفكر مطاياه، متغلغلًا في علم البيان إلى زواياه وخباياه، حتى ارتفع كتابا ساطعا بيانه، جليّا برهانه، مشحونا بفوائد لايدركها الإحصاء، ومحاسن لايقصرها الاستقصاء، لكنّه مع هذا يُتوقَّع من دِينه المتين وفضله المبين أن يتصدّق على معشر الداعين لأيّامه، الشاكرين لإنعامه، بالجواب عن اعتراضات تنزاح بسببه شُبَه المرتابين، ليتوصّلوا بنتائج خاطره، وبركات أنفاسه، إلى ثلج الصدور وبرد اليقين، واللّه تعالى وليّ توفيقه في مايكسبه جزيل المثوبة في العقبى، وحسن الاحدوثة في الدنيا، إن شاء اللّه.
فمنها: سأل سائلٌ فقال: ذكرتم أنّ لغة العرب لها من الفضيلة ماليس لسائر اللغات، فقلتم قولًا غفلًا ساذجا من غير أن تشيروا إلى بيان وجه التفضيل، وتبيّنوا الخواصّ التي لأجلها أحدث وصف الفضيلة والشرف، وتعدّوها فصلًا فصلًا، وتشيروا إليها شيئا فشيئا، وما أنكرتم على من قال لكم: إنّ لغة العرب وغيرها من اللغات المختلفة كالسريانية والعبرانية والهندية والفارسية كلّها على السواء، لافضيلة لبعضها على البعض، وإنّما هي مواضعات ورسوم واصطلاحات وضعت لأجيال الناس للإفهام والإعلام، لتكون دلالات على المقاصد والأغراض.
وذكرتم أنّ في لغة العرب دقائقَ وأسرارا لاتنال إلّا بجهد التأمّل وفرط التيقّظ، فلا يخفى أنّ هذه الأسرار والدقائق لايمكن دعواها في الأسماء المفردة والأفعال المفردة والحروف المفردة، وإنّما يمكن دعوى هذه الأسرار على تقدير ارتباط الكلِم، وجعل بعضها يتّصل بسبب بعض وينتظم، ومثل هذا موجود في كلّ لسان إذا ربطت بعض الكَلِم