التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٤١ - حكمة الكناية وفوائدها
تتحيّر فيها الأفهام والأذهان ولا تكتنهها الأوهام هيّنة عليه، هوانا لايوصل السامع إلى الوقوف عليه، إلّا إجراء العبارة في مثل هذه الطريقة من التخييل.
قال: ولاترى بابا في علم البيان أدقّ ولا أرقّ ولا ألطف من هذا الباب، ولا أنفع وأعون على تعاطي تأويل المشتبهات من كلام اللّه تعالى في القرآن وسائر الكتب السماوية وكلام الأنبياء، فإنّ أكثره وعليّته[١] تخييلات، قد زلّت فيها الأقدام قديما. وما أتى الزالّون إلّا من قلّة عنايتهم بالبحث والتنقير، حتى يعلموا أنّ في عداد العلوم الدقيقة علما لو قدّروه حقّ قدره، لما خفي عليهم أنّ العلوم كلّها مفتقرة إليه وعيال عليه. إذ لايحلّ عقدها الموربة ولايفكّ قيودها المكربة إلّا هو. وكم آية من آيات التنزيل وحديث من أحاديث الرسول قد ضيم وسيم الخسف بالتأويلات الغثّة والوجوه الرثّة، لأنّ من تأوّل ليس من هذا العلم في عير ولا نفير، ولا يعرف قبيلًا منه من دبير.[٢]
*** ومن أنواع البديع التي تشبه الكناية: الإرداف، وهو أن يريد المتكلّم معنى فلايعبّر عنه بلفظه الموضوع له، ولا بدلالة الإشارة، بل بلفظ يرادفه، كقوله تعالى: «وَ قُضِيَ الْأَمْرُ».[٣] والأصل: وهلك من قضى اللّه هلاكه، ونجا من قضى اللّه نجاته. وعدل عن لفظ ذلك إلى الإرداف، لما فيه من الإيجاز والتنبيه على أنّ هلاك الهالك ونجاة الناجي كان بأمر آمر مطاع، وقضاء من لايردّ قضاؤه، والأمر يستلزم آمرا، فقضاؤه يدلّ على قدرة الآمر به وقهره، وأنّ الخوف من عقابه ورجاء ثوابه يحضّان على طاعة الآمر، ولايحصل ذلك كلّه من اللفظ الخاص.
وكذا قوله: «وَ اسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ».[٤] حقيقة ذلك: جلستْ، فعدل عن اللفظ الخاصّ بالمعنى إلى مرادفه، لما في الاستواء من الإشعار بجلوس متمكّن لازَيغ فيه ولامَيل، وهذا لايحصل من لفظ الجلوس.
[١] - أي معظمه.
[٢] - الكشاف، ج ٤، ص ١٤٢- ١٤٣.
[٣] - البقرة ٢١٠: ٢.
[٤] - هود ٤٤: ١١.