التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٤٥ - ١٠ - رفيع أدبه ونزيه منطقه
الهوسات العابرة!
ويقابل خصومه المفترين عليه بألطف مايمكن أن يواجه ناصح خصومه الجهلاء:
«قُلْ ما كُنْتُ بِدْعاً مِنَ الرُّسُلِ. وَ ما أَدْرِي ما يُفْعَلُ بِي وَ لا بِكُمْ. إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى إِلَيَّ وَ ما أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ».
هنا صورة واضحة من الجدال الأحسن، في رفق مع الخصوم الجاهلين، وفي مناشدة عقولهم في جوّ هادئ وديع:
«وَ إِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ (لا لُبس فيها ولاغموض) قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جاءَهُمْ هذا سِحْرٌ مُبِينٌ (قولًا ظالما لايستند إلى شبهة ولا ظلّ من دليل).
أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ؟! (استفهام إنكار! إذ يبعد أن يقولوه بعد وضوح الحقّ لديهم! وهنا يردّ على هذه الفرية الظالمة ردّا في هدوء ووداعة:)
قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ، فَلا تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللَّهِ شَيْئاً. هُوَ أَعْلَمُ بِما تُفِيضُونَ فِيهِ. كَفى بِهِ شَهِيداً بَيْنِي وَ بَيْنَكُمْ. وَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ».[١]
ردّ منطقي يدركه المخاطبون لو حكّموا عقولهم فيه!
وهو نظير آية أُخرى: «أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ؟ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرامِي. وَ أَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تُجْرِمُونَ».[٢] ردّ منطقي نزيه، في تؤدة وسلام!
وهكذا يأمر باللّين معهم في الخطاب ومجانبة البذاء والسباب: «فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ. وَ لَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ. فَاعْفُ عَنْهُمْ وَ اسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَ شاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ».[٣]
وهذا هو السلوك الحكيم الذي ينبغي لنبيّ كريم.
ويقول لموسى وهرون حينما بعثا إلى فرعون:
«اذْهَبا إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى (خرج عن محدودة العبوديّة اللائقة بالكيان البشري).
[١] - الأحقاف ٧: ٤٦- ٩.
[٢] - هود ٣٥: ١١.
[٣] - آل عمران ١٥٩: ٣.