التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٦١ - ٧ - حسن تشبيهه وجمال تصويره
٧- حُسن تشبيهه وجمال تصويره
التشبيه تصوير فنّي يرسم المعنى في الخيال متجسّدا في قالب المثال، خالعا عليه ثوب الجمال. ويزداد بهاء كلما كان أوفى بتحقيق الغرض المقصود من الكلام. وما أن دقّ ولطف في التعبير والإيفاء إلّا ازداد حُسنا وكمالًا. وهكذا ذهب القرآن في تشبيهاته مذهب الإيفاء وحسن الأداء، الأمر الذي زلّت فيه أقدام كبار الادباء كلّما حاولوا الإكثار منه عاثوا وماثوا وتعسّرت عليهم الإجادة وحسن الإفادة، عكس القرآن، فقد أكثر منه، وأحكم صلبه، وخاض عبابه واستخرج لبابه، فأفاد وأجاد، وأبدع وأعجب، وأحار ذوي الألباب.
قال ابن الأثير: التشبيه يجمع صفات ثلاثا: المبالغة، والبيان، والإيجاز. أمّا المبالغة فلأنّه يجعل ما ليس بالقويّ بمثابة القويّ. وأمّا فضيلة البيان فلأنّ الغرض المقصود من قولنا «زيد أسد» أن يتبيّن حال زيد في اتّصافه بشهامة النفس، وقوّة البطش، وجرأة الإقدام، وغير ذلك ممّا يجري مجراه. إلّا أنّا لم نجد شيئا ندلّ به عليه سوى أن جعلناه شبيها بالأسد حيث كانت هذه الصفات مختصّة به، فصار ماقصدناه من هذا القول أكشف وأبين من أن نقول: زيد شهم، شجاع، قويّ البطش، جريء الجنان، وأشباه ذلك، لما قد عُرف وعُهد من اجتماع هذه الصفات في المشبّه به. فقد أدّى التشبيه كلّ هذه المعاني