التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤١٣ - إمتاع العقل والنفس معا
ثمّ قرّر البعث ببيان سببه الموجب، وأخيرا إمكانه بعظيم قدرته.
ولابن السيّد هنا- في هذه الآية- بيان لطيف أورده السيوطي في الإتقان، قال:
وتقريرها، أنّ اختلاف الناس في الحقّ لايوجب انقلاب الحقّ في نفسه، وإنّما تختلف الطرق الموصلة إليه، والحقّ في نفسه واحد. فلمّا ثبت أنّ هاهنا حقيقة موجودة لامحالة، وكان لاسبيل لنا في حياتنا إلى الوقوف عليها وقوفا يوجب الائتلاف ويرفع عنّا الاختلاف، إذ كان الاختلاف مركوزا في فطرنا، وكان لايمكن ارتفاعه وزواله إلّا بارتفاع هذه الجبلّة، ونقلها إلى صورة غيرها، صحّ- ضرورةً- أنّ لنا حياة اخرى غير هذه الحياة، فيها يرتفع الخلاف والعناد. وهذه هي الحالة التي وعد اللّه بالمصير إليها، فقال: «وَ نَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ»[١] أي حقد. فقد صار الخلاف الموجود- كماترى- أوضح دليل على كون (أي ثبوت) البعث الذي ينكره المنكرون.[٢]
الاستدلالُ في القُرآن مزيج اسلوبين: الخطابة والبرهان
إمتاع العقل والنفس معا
امتاز القرآن في استدلالاته بالجمع بين اسلوبين يختلفان في شرائطهما، هما:
اسلوب الخطابة واسلوب البرهان ذاك إقناع للعامّة بما يتسالمون به من مقبولات مظنونات، وهذا إفهام للخاصّة بما يتصادقون عليه من أوّليات يقينيات.
ومن الممتنع عادة أن يقوم المتكلّم بإجابة ملتمس كلا الفريقين، ليجمع بين الظنّ واليقين في خطاب واحد ... الأمر الذي حقّقه القرآن فعلًا بعجيب بيانه وغريب اسلوبه.
*** والبرهان: ما تركّب من مقدّمات يقينية، سواء أكانت ضرورية (بديهية أو فطرية) أم كانت نظرية (منتهية إلى الضروريات). والقضايا الضرورية ستّة أنواع:
[١] - الأعراف ٤٣: ٧.
[٢] - الإتقان، ج ٤، ص ٥٤.