التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٦٦ - ٧ - حسن تشبيهه وجمال تصويره
السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاةٍ فِيها مِصْباحٌ»،[١] فمثّل نوره بطاقة فيها ذبالة.[٢]
وقال اللّه تعالى: «وَ الْقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ حَتَّى عادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ»[٣] فمثّل الهلال بأصل عذق النخلة.
فالجواب عن ذلك أنّي أقول: أمّا تمثيل نور اللّه تعالى بمشكاة فيها مصباح، فإنّ هذا مثال ضربه للنبيّ صلى الله عليه و آله. ويدلّ عليه أنّه قال: «يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَ لا غَرْبِيَّةٍ» وإذا نظرت إلى هذا الموضع وجدته تشبيها لطيفا عجيبا، وذاك أنّ قلب النبي صلى الله عليه و آله وما القي فيه من النور، وما هو عليه من الصفة الشفّافة، كالزجاجة التي كأنّها كوكب بصفائها وإضاءتها.
وأمّا الشجرة المباركهالتي لاشرقية ولاغربية، فإنّها عبارة عن ذات النبي صلى الله عليه و آله لأنّه من أرض الحجاز التي لاتميل إلى الشرق ولا إلى الغرب.
وأمّا زيت هذه الزجاجة، فإنّه مضيء من غير أن تمسّه نار، والمراد بذلك أنّ فطرته فطرة صافية من الأكدار، منيرة من قبل مصافحة الأنوار.
فهذا هو المراد بالتشبيه الذي ورد في هذه الآية.
وأمّا الآية الاخرى فإنّه شبّه الهلال فيها بالعرجون القديم، وذلك في هيئة نحوله واستدارته، لافي مقداره، فإنّ مقدار الهلال عظيم، ولا نسبة للعرجون إليه، لكنّه في مرأى النظر كالعرجون هيئةً لامقدارا.
وأمّا هذا الكاتب فإنّ تشبيهه ليس على هذا النسق، لأنّه شبّه فيه صورة الحصن بأنملة في المقدار لافي الهيئة والشكل.
وهذا غير حَسَن ولامناسب، وإنّما ألقاه فيه أنّه قصد الهلال والقلامة مع ذكر الأنملة فأخطأ من جهة، وأصاب من جهة، لكن خطأُه غطّى على صوابه.[٤]
[١] - النور ٣٥: ٢٤.
[٢] - الطاقة: سقيفة لها طوق هلالي. والذبالة: الفتيلة.
[٣] - يس ٣٩: ٣٦.
[٤] - المثل السائر، ج ٢، ص ١٢٦- ١٢٨.