التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤٢٦ - الاسلوب الحكيم
وَ لِلْمُؤْمِنِينَ وَ لكِنَّ الْمُنافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ»[١] كناية عن أنّ المؤمنين سوف يكونون هم الذين يخرجون المنافقين من المدينة، لأنّهم هم الأعزّاء وغيرهم الأذلّاء.
* وقوله تعالى: «وَ مِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَ يَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ»[٢] كأنّه قيل: نعم، هو اذُن، ولكن نعمَ الاذُن، أي هو اذُن كما قلتم، إلّا أنّه اذُن خير لااذُن سوء. فسلّم لهم قولهم فيه، إلّا أنّه فسّره بما هو مدح له، وإن كان قصدوا به المذمّة. ولاشيء أبلغ في الردّ من هذا الاسلوب، لأنّ فيه إطماعا في الموافقة، وكرّا إلى إجابتهم في الإبطال، وهو كالقول بالموجب في الاصول.[٣]
الاسلوب الحكيم
قال ابنمعصوم: يشترك «القول بالموجب» و «الاسلوب الحكيم» في كون كلّ منهما من إخراج الكلام لا على مقتضى الظاهر، ويفترقان باعتبار الغاية. فإنّ «القول بالموجب» غايته ردّ كلام المتكلّم وعكس معناه. و «الاسلوب الحكيم» هو تلقّي المخاطب بغير مايترتّب، بحمل كلامه على خلاف مراده، تنبيها على أنّه الأولى بالقصد. أو السائل بغير ما يتطلّب، بتنزيل سؤاله منزلة غيره، تنبيها على أنّه الأولى بحاله والمهمّ له.
أمّا الأول: فكقول القبعثري للحجّاج: «مثل الأمير يحمل على الأدهم والأشهب» وقد تقدّم.[٤]
وأمّا الثاني: فكثير منه في القرآن، ويعدُّ من بدائع خطابه مع اولئك الأقوام الجهلاء بما يصلحهم ويناسب شأنهم.
من ذلك قوله تعالى: «يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنَّاسِ وَ الْحَجِّ وَ لَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها وَ لكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقى وَ أْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوابِها وَ اتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ».[٥]
[١] - المنافقون ٨: ٦٣.
[٢] - التوبة ٦١: ٩.
[٣] - نقله ابن معصوم عن الطيبي؛ راجع: أنوار الربيع، ج ٢، ص ٢٠٠.
[٤] - في هامش موضوع« القول بالموجب».
[٥] - البقرة ١٨٩: ٢.