التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٨٠ - تجسيد المعاني الذهنية
إلى غير عودة فلا يملكون لها ردّا، فيقدّم هذا المعنى مصوّرا في قوله: «وَ قَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً».[١]
ويدعك تتخيّل صورة الهباء المنثور، فتعطيك معنى أوضح وآكد للضياع الحاسم المؤكّد.
* أو يرسم هذه الصورة المطوّلة بعض الشيء لهذا المعنى نفسه: «مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمالُهُمْ كَرَمادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عاصِفٍ لا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلى شَيْءٍ».[٢]
فتزيد الصورة حركةً وحياةً بحركة الريح في يوم عاصف، تذرو الرماد وتذهب به بددا إلى حيث لايجتمع أبدا.
* ويريد أن يبيّن للناس أنّ الصدقة التي تُبذَل رياءً والتي يتبعها المنّ والأذى لاتثمر شيئا ولاتبقى، فينقل إليهم هذا المعنى المجرّد في صورة حسّية متخيّلة على النحو التالي:
«يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَ الْأَذى كَالَّذِي يُنْفِقُ مالَهُ رِئاءَ النَّاسِ وَ لا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوانٍ عَلَيْهِ تُرابٌ فَأَصابَهُ وابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْداً».[٣]
ويدعهم يتملّون[٤] هيئة الحجر الصلب المستوي، غطّته طبقة خفيفة من التراب فظنّت فيه الخصوبة، فإذا وابل من المطر يصيبه، وبدلًا من أن يُهيّئه للخصب والنماء- كما هي شيمة الأَرض تجودها السماء- أذابه- كما هو المنظور- يتركه صلدا، وتذهب تلك الطبقة الخفيفة التي كانت تستره، وتُخيِّل فيه الخير والخصوبة.
ثمّ يمضي في التصوير لإبراز المعنى المقابل لمعنى الرياء:
«وَ مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ وَ تَثْبِيتاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصابَها وابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَها ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْها وابِلٌ فَطَلٌّ».[٥]
فهنا الوجه الثاني للصورة، والصفحة المقابلة للصفحة الاولى. فهذه الصدقات التي
[١] - الفرقان ٢٣: ٢٥.
[٢] - إبراهيم ١٨: ١٤.
[٣] - البقرة ٢٦٤: ٢، والصلد: النقي.
[٤] - تملّ الشيء: تأمّله وقلّبه لينظر فيه.
[٥] - البقرة ٢٦٥: ٢.