التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٩ - نماذج من فوارق اللغة
مثال على أنّ مردّ المترادفات إلى المتفارقات في نهاية المطاف، وأنّ كلّ وضع إنّما يختصّ بميزة يفتقدها وضع مشابه يحسبه النظر البادي مثيله في المفاد! أمّا النظرة الدقيقة فتقضي بخلافه وأن لاترادف في أوضاع اللغة حسبما حقّقه أهل التحقيق.
وهذا موضع دقيق وفي نفس الوقت خطير، إنّما كان يدركه الجهابذة من أهل الفصاحة وعلماء البيان. وقد لمسته أقحاح العرب- منذ أوّل يومهم- في تعابير القرآن فأعجبتهم إحاطته والوفرة من مزاياه، بما فاق مقدورهم وهم صناديد اللغة وأفذاذ الخطابة والبيان. ومن ثمّ كان اعترافهم بالعجز، وأنّه ليس من كلام البشر وأنّه يعلو وما يُعلى.
قال أبومنصور الثعالبي النيسابوري (ت ٤٣٠): لو لم يكن في الإحاطة بخصائص اللغة العربية والوقوف على مجاريها وتصاريفها والتبحّر في جلائلها ودقائقها إلّا قوّة اليقين في معرفة إعجاز القرآن وزيادة البصيرة في إثبات النبوّة التي هي عمدة الإيمان لكفى بذلك فضلًا يحسن أثره ويطيب في الدارين ثمره.[١]
وقال أبوهلال العسكري (المتوفى حدود سنة ٤٠٠): إنّ اختلاف العبارات والأسماء يوجب اختلاف المعاني، لأنّ الاسم كلمة تدلّ على معنى دلالة بالإشارة، فإذا اشير إلى الشيء مرّة فالإشارة إليه ثانية وثالثة غير مفيدة، وواضع اللغة حكيم لايأتي بما لايفيد، فإن اشير منه في الثاني والثالث إلى خلاف ما اشير إليه في الأول كان ذلك صوابا، فهذا يدلّ على أنّ كلّ اسمين يجريان على معنى من المعاني وعين من الأعيان في لغة واحدة، فإنّ كلّ واحد منهما يقتضي خلاف مايقتضيه الآخر، وإلّا لكان الثاني فضلًا لايُحتاج إليه.
و إلى هذا ذهب المحقّقون من العلماء. وإليه أشار المبرّد في تفسير قوله تعالى: «لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَ مِنْهاجاً».[٢] قال: فعطف «شرعة» على «منهاج»، لأنّ الشرعة لأول الشيء والمنهاج لمعظمه ومتّسعه. واستشهد على ذلك بقولهم: شرع فلان في كذا، إذا ابتدأه، وأنهج البلى في الثوب، إذا اتّسع فيه. قال: ويعطف الشيء على الشيء وإن كانا يرجعان إلى شيء
[١] - فقه اللغة وسرّ العربية، ص ٢١.
[٢] - المائدة ٤٨: ٥.