التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٠١ - ٢ - التصدير
وأمّا الآية الثانية، فكان الكلام فيها عن النهار السرمد، فناسبه الإبصار.
قال الزركشي: وهذا من دقيق المناسبة المعنوية.
* وقوله تعالى: «إِنَّ فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ لَآياتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ. وَ فِي خَلْقِكُمْ وَ ما يَبُثُّ مِنْ دابَّةٍ آياتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ. وَ اخْتِلافِ اللَّيْلِ وَ النَّهارِ وَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وَ تَصْرِيفِ الرِّياحِ آياتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ».[١]
خَتمَ الآية الاولى بقوله: «لِلْمُؤْمِنِينَ». والثانية «لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ». والثالثة «لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ» لأنّ العوالم كلّها هي دليل الصنع الباعث على الإيمان. أمّا التدبّر في تفاصيل الخلق الدالّة على التدبير فهو دليل النظم الموجب للإيقان. وأخيرا فإنّ الذي يدعو للإيمان واليقين بسبب التدبّر في آياته تعالى والتفكّر في خلقه هو شرف العقل، الموجود المفضَّل في كيان الإنسان.
* وقوله تعالى: «وَ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً فِي قَرارٍ مَكِينٍ. ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظاماً فَكَسَوْنَا الْعِظامَ لَحْماً ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ».[٢]
فسياق الآية بهذا النظم البديع، وتسلسل الخلقة بهذا النمط الرتيب، ليقضي بختمها بهكذا تحميد وتحسين عجيب. فقد روي أنّ بعض الصحابة- يقال: إنّه معاذبن جبل- حين نزلت الآية، بادر إلى تحسينها والإعجاب بها، فنطق بهذه الخاتمة قبل نزولها، فضحك رسولاللّه صلى الله عليه و آله وقال لمعاذ: بها خُتمت.[٣]
٢- التصدير
هو أن تكون الفاصلة مذكورة بمادّتها في صدر الآية، ويسمّى أيضا: ردّ العجز على الصدر. وهو من حسن البديع، إذ يرتبط صدر الكلام مع ذيله بوشائج من التلاحم والوئام.
قال ابن رشيق: وهذا يُكسب الكلام ابّهة، ويكسوه رونقا وديباجة، ويزيده مائيّة
[١] - الجاثية ٣: ٤٥- ٥.
[٢] - المؤمنون ١٢: ٢٣- ١٤.
[٣] - معترك الأقران، ج ١، ص ٤٠.