التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤١٥ - إمتاع العقل والنفس معا
هذه الآية- بهذا النمط من الاستدلال- في ظاهرها البدائي احتجاج على أساس الخطابة والإقناع، قياسا على العُرف المعهود، إنّ التعدّد في مراكز القرار سوف يؤدّي إلى فساد الإدارة.
ونظيرها آية اخرى: «مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَ ما كانَ مَعَهُ مِنْ إِلهٍ إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلهٍ بِما خَلَقَ وَ لَعَلا بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ».[١]
يقول العلّامة الطباطبائي: وتقرير الحجّة في الآية أنّه لو فرض للعالم آلهة فوق الواحد لكانوا مختلفين ذاتا، متباينين حقيقةً. وتباين حقائقهم يقضي بتباين تدبيرهم، فتتفاسد التدابير، وتفسد السماء والأَرض.[٢]
وهذا النمط من الاستدلال، طريقة عقلانية يتسلّمها العرف العام قياسا على ماألفوه في أعرافهم.
ولكن إلى جنب هذا، فهو استدلال برهاني دقيق، قوامه الضرورة واليقين، وليس مجرّد قياس إقناعي صرف.
ذلك أنّ الآية دلّت العقول على أنّ تعدّد الآلهة، المستجمعة لصفات الالوهيّة الكاملة، يستدعي إمّا عدم وجود شيء على الإطلاق، وذلك هو فساد الأشياء حال الإيجاد ... أو أنّها إذا وجدت، وجدت متفاوتة الطبائع متنافرة الجنسيات، الأمر الذي يقضي بفسادها، إثر وجودها وعدم إمكان البقاء.
وذلك لأنّه لو توجّهت إرادتان مستقلّتان من إلهين مستقلّين- في الخلق والتكوين- إلى شيء واحد يريدان خلقه وتكوينه، فهذا ممّا يجعله ممتنع الوجود، لامتناع صدور الواحد إلّا من الواحد، إذ الأثر الواحد لايصدر إلّا ممّا كان واحدا. ولا تتوارد العلّتان على معلول واحد أبدا.
وفرض وجوده عن إرادة أحدهما، مع استوائهما في القدرة والإرادة، فرض ممتنع.
لأنّه ترجيح من غير مرجّح، بل ترجّح من غير مرجّح، وهو مستحيل.
[١] - المؤمنون ٩١: ٢٣.
[٢] - الميزان، ج ١٤، ص ٢٩١.