التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٩٤ - ألوان من التخييل الحسي
* هذا هو الصبح يتنفّس: «وَ الصُّبْحِ إِذا تَنَفَّسَ»[١] فيخيّل إليك هذه الحياة الوديعة الهادئة التي تنفرج عنها ثناياه وهو يتنّفس، فتتنفّس معه الحياة، ويدبّ النشاط في الأحياء، على وجه الأرض والسماء.
* وهذا هو الليل يسرع في طلب النهار، فلا يستطيع له دركا: «يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً».[٢] ويدور الخيال مع هذه الدورة الدائبة، التي لانهاية لها ولا ابتداء.
أو هذا هو الليل يسري: «وَ اللَّيْلِ إِذا يَسْرِ»[٣] فتحسّ سريانه في هذا الكون العريض، وتأنس بهذا الساري على هينة واتّئاد.
* وهاتان هما الأَرض والسماء عاقلتين، يوجّه إليهما الخطاب، فتسرعان بالجواب:
«ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَ هِيَ دُخانٌ فَقالَ لَها وَ لِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ»[٤] والخيال شاخص إلى الأَرض والسماء، تدعيان وتجيبان الدعاء.
* وهذه هي الشمس والقمر والليل والنهار في سباق دائم ولكن:
«لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَ لَا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ»،[٥] إنّه لسباق جبّار، لايني أو يفتر في ليلٍ أو نهار.
* وهذه هي الأَرض «هامدة» مرّة و «خاشعة» مرّة، ينزل عليها الماء فتهتزّ وتحيا:
«وَ تَرَى الْأَرْضَ هامِدَةً فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ اهْتَزَّتْ وَ رَبَتْ وَ أَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ».[٦]
«وَ مِنْ آياتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خاشِعَةً فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ اهْتَزَّتْ وَ رَبَتْ».[٧]
وهكذا تستحيل الأَرض الجامدة كائنا حيّا بلمسة واحدة في لفظة واحدة.
* وهذه جهنّم، جهنّم النهمة المتغيّظة التي لايفلت منها أحد، ولا تشبع بأحد، جهنّم التي تدعو من كانوا يُدعَون إلى الهُدى ويُدبرون، وهم لدعوتها على الرغم منهم يُجيبون.
[١] - التكوير ١٨: ٨١.
[٢] - الأعراف ٥٤: ٧.
[٣] - الفجر ٤: ٨٩.
[٤] - فصّلت ١١: ٤١.
[٥] - يس ٤٠: ٣٦.
[٦] - الحج ٥: ٢٢.
[٧] - فصّلت ٣٩: ٤١.