التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤٢١ - إقناع العقل وإمتاع النفس
إنّ للنفس الإنسانية جهتين: جهة تفكير يكون مركزه العقل، وجهة إحساس يكون مركزه وجدان الضمير، وحاجة كلّ واحدة منهما غير حاجة اختها. فأمّا إحداهما فإنّها تنقّب عن الحقّ لمعرفته أوّلًا، وللعمل به ثانيا. وأمّا الاخرى فإنّها تحاول تسجيل أحاسيسها بما في الأَشياء من لذّة وألم، ومتعة وغذاء للنفس.
والبيان التامّ هو الذي يوفّي لك للحاجتين جميعا، ويطير بنفسك بكلا الجناحين، فيؤتيها حظّها من الفائدة العقلية، إلى جنب إيفائها متعة الوجدان وإشباع غريزتها في عواطف الإحساس.
أمّا الحكماء فإنّما يؤدّون إليك ثمار عقولهم غذاء لعقلك، ولايهمّهم جانب استهواء نفسك ونهم عاطفتك، يقدّمون حقائق المعارف والعلوم، لايأبهون لما فيها من جفاف وعري ونبوٍّ عن الطباع.
وأمّا الشعراء فإنّما يسعون إلى استثارة وجدانك وتهييج عواطفك وأحاسيسك، وإمتاع سمعك وضميرك، فلا يبالون بما صوّروه لك أن يكون غيّا أو رشدا، وأن يكون حقيقةً أو تخيّلًا، فتراهم جادّين وهم هازلون، يستبكون وإن كانوا لايبكون، ويُطربون وإن كانوا لايطربون «وَ الشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ أَ لَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وادٍ يَهِيمُونَ. وَ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُونَ».[١]
وكلّ إنسان حينما يفكّر فإنّما هو فيلسوف، وكلّ إنسان حينما يحسّ فإنّما هو شاعر.
ولا تتكافأ القوّتان: (قوّة التفكير وقوّة الوجدان). وكذا سائر القوى النفسية على سواء ...
ولو مالت هذه القوى إلى شيء من التعادل عند قليل من الناس فإنّها لاتعمل في النفس دفعة وبنسبة واحدة، بل متناوبة في حال بعد حال، وكلّما تسلّطت قوّة اضمحلّت اخرى وكاد ينمحي أثرها. فالذي ينهمك فيالتفكير تتناقص قوّة وجدانه، والذي يسعى وراء لذائذه عند ذاك تضعف قوّة تفكيره وهكذا لاتقصد النفس إلى هاتين الغايتين قصدا واحدا أبدا «ما جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ».[٢]
[١] - الشعراء ٢٢٤: ٢٦- ٢٢٦.
[٢] - الأحزاب ٤: ٣٣.