التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣١٨ - الاستعارة في مدارج البلاغة
نبلًا، وتوجب له بعد الفضل فضلًا. وأنّك لتجد اللفظة الواحدة قد اكتسبت فيها فوائد، حتى تراها مكرّرة في مواضع، ولها في كلّ واحد من تلك المواضع شأن مفرد، وشرف منفرد، وفضيلة مرموقة، وخلابة موموقة.[١]
ومن خصائصها التي تذكر بها وهي عنوان مناقبها: أنّها تعطيك الكثير من المعاني باليسير من اللفظ، حتى تخرج من الصَدفة الواحدة عدّة من الدرر، وتجني من الغصن الواحد أنواعا من الثمر.
وإذا تأمّلت أقسام الصنعة التي بها يكون الكلام في حدّ البلاغة، ومعها يستحقّ وصف البراعة، وجدتها تفتقر إلى أن تعيرها حلاها[٢] وتقصر عن أن تنازعها مداها.
وصادفتها[٣] نجوما هي بدرها، وروضا هي زهرها، وعرائس ما لم تعرها حليها فهي عواطل، وكواعب مالم تحسنها فليس لها في الحسن حظّ كامل. فإنّك لترى بها الجماد حيّا ناطقا، والأعجمُ فصيحا، والأجسام الخُرس مبيّنة، والمعاني الخفية بادية جلية!
وإذا نظرت في أمر المقاييس وجدتها ولا ناصر لها أعزّ منها، ولا رونق لها مالم تزنها، وتجد التشبيهات على الجملة غير معجبة مالم تكُنها.[٤] إن شئت أرتك المعاني اللطيفة التي هي من خبايا العقل، كأنّها قد جسّمت حتى رأتها العيون. وإن شئت لطفت الأوصاف الجسمانية، حتى تعود روحانية لاتنالها إلّا الظنون.
وهذه إشارات وتلويحات في بدائعها، وإنّما ينجلي الغرض منها ويبين إذا تُكلِّم على التفصيل وافرد كلّ فنّ بالتمثيل.[٥]
الاستعارة في مدارج البلاغة
قال عبدالقاهر: إنّ الاستعارة- كما علمت- تعتمد التشبيه أبدا، وطرقه تختلف،
[١] - الخلابة: الجذب بلطائف الكلام. الومق: التودّد.
[٢] - أي حلي الاستعارة، وهكذا سائر الضمائر في الجمل التالية.
[٣] - عطف على« وجدتها» حيث كان جوابا للشرط.
[٤] - أي إذا لم تكن على وجه الاستعارة.
[٥] - أسرار البلاغة، ص ٢٤ و ٣٣.