التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٧٣ - إيجاز وإيفاء أم براعة في بلاغة البيان؟
قلت: هذامن مداورة الكلام وردّ العجز على الصدر أيضا، الأمر الذي يحصل به بين أطراف الكلام ملاءمة وتلاحم وائتلاف، وهو من لطيف الكلام.
والآية إنّما تصلح مثالًا لذلك، بناءً على عود الضمير في «إِنَّهُ عَلى ذلِكَ لَشَهِيدٌ» على «رَبِّه» وهو أحد القولين.[١]
*** ذكر التنوخي[٢] وغيره: أنّ من الالتفات نقل الخطاب من الواحد إلى الاثنين أو الجمع والعكس، كقوله تعالى: «قالُوا أَ جِئْتَنا لِتَلْفِتَنا عَمَّا وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا وَ تَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِياءُ فِي الْأَرْضِ».[٣] ولاشكّ أنّ الخطاب كان مع موسى عليه السلام ولكن هارون كان عضده ووزيره فكان المتّهم في الاستحواذ على سلطة البلاد- في نظرهم- هما معا.
وقوله: «فَلا يُخْرِجَنَّكُما مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقى».[٤] وقد مرّ أنّ العدول إلى الإفراد كان لأجل مراعاة الفاصلة أولًا. وثانيا لأنّ الذي يقع في المشقّة من الزوجين هو الزوج بالذات.
وقوله: «وَ أَوْحَيْنا إِلى مُوسى وَ أَخِيهِ أَنْ تَبَوَّءا لِقَوْمِكُما بِمِصْرَ بُيُوتاً وَ اجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً»[٥] كان المخاطب والمسؤول الأوّل بهذا التكليف هو موسى وهارون عليهماالسلام غير أنّ الذي يجب عيله استقبال البيوت في الصلاة هم بنو إسرائيل كافّة. ومن ثمّ هذا العدول.
وأمثال هذه الدقائق- في كتاب اللّه العزيز الحميد- كثير، وإنّما يبلغها العرّافون من أهل النظر والتحقيق، وقليلٌ ماهم.
إيجاز وإيفاء أم براعة في بلاغة البيان؟
الإيجاز: هو حذف فضول الألفاظ مع الإيفاء بكمال المقصود. وهو نوع من الكلام
[١] - راجع: الكشاف، ج ٤، ص ٧٨٨.
[٢] - هو القاضي أبو القاسم علي بنمحمَّد الانطاكي ٢٧٨- ٣٤٢ كان من أعيان فضلاء عصره عظيما واسع الأدب حسن الفصاحة، وكانوا يعدّونه ريحانة الندماء وتاريخ الظرفاء.
[٣] - يونس ٧٨: ١٠.
[٤] - طه ١١٧: ٢٠.
[٥] - يونس ٨٧: ١٠.