التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٤٤ - ١٠ - رفيع أدبه ونزيه منطقه
ليقولوه، وبذلك يتّقون أن يُفسد الشيطان مابينهم من مودّة، بكلمة خشنة تفلت، وبالردّ السّييتلوها. فإذا جوّ المحبّة والوداد يشوب بالخلاف ثمّ بالجفوة ثمّ بالعداء. أمّا الكلمة الطيّبة فتأسو جراح القلوب[١] وتندّى جفافها وتجمعها على الودّ الكريم.
وهكذا واجه النبي صلى الله عليه و آله خصوم الدعوة في لطف ومداراة: «قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ؟ قُلِ: اللَّهُ! وَ إِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ».[٢]
وهذه غاية النصفة والاعتدال والأدب في الجدال: أن يقول نبيّ كريم- وهو يدعو إلى الحقّ- لخصومه الذي يحاول إنقاذهم من ضلال: أن لابدّ أحدنا أن يكون على هدى والآخر على ضلال. ثمّ يدع تحديد المهتدي منهما والضالّ، ليثير التدبّر والتفكّر في هدوء لاتغشى عليه العزّة بالإثم، والرغبة في الجدال والمحال! فإنّما هو هادٍ ومعلّم- يبتغي هداهم وإرشادهم، لا إذلالهم وإفحامهم!
ومشهد آخر من هذاالنوع من الوَداعة في الخطاب، مانطق به القرآن عن لسان الرسول: «وَ ما لِيَ لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ؟ أَ أَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً! إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمنُ بِضُرٍّ لا تُغْنِ عَنِّي شَفاعَتُهُمْ شَيْئاً وَ لا يُنْقِذُونِ. إِنِّي إِذاً لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ. إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ!».[٣]
حوار لطيف في تؤدة وسلام، يؤنبّهم في صياغة الحديث عن النفس، ليكون آكد في الدلالة على إخلاص الدعوة. إنّه تساؤل الفطرة الشاعرة بمبدأ الخليقة، المشدودة إلى مصدر وجودها الوحيد .. وما الذي يحيد به عن الصراط السويّ الذي لمسه في وجوده، مادّا إلى اللّه ومنتهيا إليه وحده لاشريك له!؟ «إِنِّي إِذاً لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ»!
ولكنّه الوعي الصادق يقرّر قراره الأخير «إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ» يدعوهم إلى الإصغاء لهذا النداء الباطن. وهو صوت الفطرة أقوى من كلّ تهديد وأشدّ وقعا من كلّ تكذيب، فليصغوا لهذا الوعي النفسي المنبثق في ضمير كلّ إنسان حرّ، متحرّر عن
[١] - يقال: أسا الجرح: داواه.
[٢] - سبأ ٢٤: ٣٤.
[٣] - يس ٢٢: ٣٦- ٢٥.