التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٥٨ - ليس كمثله شيء
نفاه عن نفسه لامحالة، إذ هو بنفي ذلك عنه أجدر. وسبب ورود هذه اللفظة في هذا الموضع أنّه يجعل من جماعة هذه أوصافهم وتثبيتا للأمر وتوكيدا. ولو كان وحده لقلق منه موضعه ولم يرس فيه قدمه.[١]
قال الاستاذ درّاز: واعلم أنّ البرهان الذي ترشد إليه الآية- على هذا الوجه-[٢] برهان طريف في إثبات الصانع لانعلم أحدا من علماء الكلام حام حوله، فكلّ براهينهم في الوحدانية قائمة على إبطال التعدّد بإبطال لوازمه وآثاره العملية، حسبما أرشد إليه قوله تعالى: «لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا».[٣]
أمّا آية الشورى المذكورة فإنّها ناظرة إلى معنى وراء ذلك ينقض فرض التعدّد من أساسه ويقرّر استحالته الذاتية فينفسه بقطع النظر عن تلك الآثار، فكأنّنا بها تقول لنا:
إنّ حقيقة الإله ليست من تلك الحقائق التي تقبل التعدّد والاشتراك والتماثيل في مفهومها، كلّا، فإنّ الذي يقبل ذلك فإنّما هو الكمال الإضافي الناقص، أمّا الكمال التامّ المطلق- الذي هو معنى الإلهية- فإنّ حقيقته تأبى على العقل أن يقبل فيها المشابهة والاثنينية، لأنّك مهما حقّقت معنى الإلهية حقّقت تقدّما على كلّ شيء وإنشاءً لكلّ شيء:
«فاطِرِ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ».[٤]
وحقّقت سلطانا على كلّ شيء وعلوّا فوق كلّ شيء: «لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ».[٥] فلو ذهبت تفترض اثنين يشتركان في هذه الصفات لتناقضت إذ تجعل كلّ واحد منهما سابقا ومسبوقا، ومُنشِئا ومنشَئا، ومستعليا ومستعلى عليه، أو لأحلت الكمال المطلق إلى كمال مقيّد فيهما، إذ تجعل كلّ واحد منهما بالإضافة إلى صاحبه ليس سابقا ولامستعليا، فأنّى يكون كلّ منهما إلها، وللإله المثل الأعلى!
فكم أفادتنا هذه الكاف من وجوه المعاني كلّها كافٍ شافٍ، وهذا من دقّة الميزان
[١] - المثل السائر، ج ٣، ص ٦١ ذكره في باب الإرداف في الكناية.
[٢] - أي إرداف اللفظ بحجّته في أوجز كلام.
[٣] - الأنبياء ٢٢: ٢١.
[٤] - الأنعام ١٤: ٦. يوسف ١٠١: ١٢. إبراهيم ١٠: ١٤. فاطر ١: ٣٥. الزمر ٤٦: ٣٩. الشورى ١١: ٤٢.
[٥] - الزمر ٦٣: ٣٩.