التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢١٦ - هل في القرآن سجع؟
الفواصل بلا فرق. وإن كان يريد بالسجع ماتقع المعاني تابعة له ويكون من المتكلّف به فذلك عيب، وكذلك الفواصل إذا تكلّف بها.[١]
قال: وأظنّ أنّ الذي دعاهم إلى تسمية مقاطع الآيات في القرآن بالفواصل، ولم يسمّوا ما تماثلت حروف أواخره سجعا، هي رغبتهم في تنزيه القرآن عن الوصف الذي يلتحق بالمأثور من كلام الكهنة وغيرهم، فلم يرقهم نعت القرآن بما ينعت به كلام غيره ولاسيّما مثل كلام الكهنة المبتذلين.
وهذا الغرض يعود إلى مجرّد التسمية، وهو غرض قريب لابأس به، إلّا أنّ الحقيقة هي غير ذلك، وهي كما ذكرناه، ولايتغيّر الواقع عمّا هو عليه لمجرّد كراهة تسميته باسمه.
والتحرير أنّ الأسجاع حروف متماثلة في مقاطع الفواصل. تُوجَد في بعضها وليست في جميعها.
فإن قيل: إذا كان السجع محمودا- على ماذكرت من الشرط- فهلّا ورد القرآن كلّه مسجوعا؟ وما الوجه في ورود بعضه مسجوعا وبعضه غير مسجوع؟
قلنا: القرآن نزل بلغة العرب وعلى عُرفهم وعادتهم، وكان الفصيح منهم لايكون كلامه كلّه مسجوعا لما فيه من أمارات التكلّف والاستكراه والتصنّع، لاسيّما فيما يطول من الكلام. فلم يرد القرآن كلّه مسجوعا جريا منه على عُرفهم في الطبقة العالية من كلامهم، ولم يخلّ من السجع لأنّه يحسن في بعض الكلام على الصفة التي قدّمناها. فهذا هو السبب في ورود بعضه كذلك وبعضه بخلافه.[٢]
[١] - قال العلّامة جار اللّه محمود بنعمر الزمخشري ت ٥٢٨: لاتحسن المحافظة على الفواصل لمجرّدها، إلّا مع بقاء المعاني على سدادها، على النهج الذي يقتضيه حسن النظم والتئامه كمالايحسن تخيّر الألفاظ المونقة في السمع السلسة على اللسان إلّا مع مجيئها منقادة للمعاني الصحيحة المنتظمة. فأمّا أن تهمل المعاني ويهتمّ بتحسين اللفظ وحده، غير منظور فيه إلى مؤداه على بال، فليس من البلاغة في فتيل أو نقير.
ومع ذلك يكون قوله:« وبالآخرة هم يوقنون» وقوله:« وممّا رزقناهم ينفقون» لايتأتّى فيه ترك رعاية التناسب في العطف بين الجمل الفعلية إيثارا للفاصلة، لأنّ ذلك أمر لفظي لاطائل تحته، وإنّما عدل إلى هذا لقصد الاختصاص. نقلًا عن كشّافه القديم. البرهان للزركشي، ج ١، ص ٧٢.
[٢] - سرّ الفصاحة لابن سنان، ص ١٦٦ فما بعد؛ والبرهان للزركشي، ج ١، ص ٥٧.