التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٤٣ - ٤ - تناسق نظمه وتناسب نغمه
إلّا كشأن الأصداف، تتضمّن لآلي نفيسة، وتحتضن جواهر ثمينة، فإن لم يُلهك جمال الغطاء عمّا تحته من الكنز الدفن، ولم ت- حجبك بهجة الستار عمّا وراءه من السرّ المصون، فَفَليْتَ القشرة عن لبّها، وكشفت الصدفة عن درّها، فنفذت من هذا النظام اللفظي إلى تلك الفخامة المعنوية، تجلّى لك ماهو أبهى وأبهر، ولقيت منه ماهو أبدع وأروع. تلك روح القرآن وحقيقته، وجذوة موسى التي جذبته إلى نار الشجرة في شاطىء الوادي الأيمن في البقعة المباركة، فهناك نسمة الروح القدسية: «إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ».[١]
وذكر سيّد قطب عن الإيقاع الموسيقي في القرآن أنّه من إشعاع نظمه الخاصّ، وتابع لانسجام الحروف في الكلمة، ولانسجام الألفاظ في الفاصلة الواحدة، وبذلك قد جمع القرآن بين مزايا النثر وخصائص الشعر معا، فقد أعفى التعبير من قيود القافية الموحّدة والتفعيلات التامّة، فنال بذلك حرّية التعبير الكاملة عن جميع أغراضه العامّة، وأخذ في الوقت ذاته من خصائص الشعر الموسيقي الداخلية، والفواصل المتقاربة في الوزن التي تغني عن التفاعيل والتقفية التي تغني عن القوافي، فشأنه شأن النثر والنظم جميعا.
وحيثما تلا الإنسان القرآن أحسّ بذلك الإيقاع الداخلي في سياقه، يبرز بروزا واضحا في السور القصار، والفواصل السريعة، ومواضع التصوير والتشخيص بصفة عامّة، يتوارى قليلًا أو كثيرا في السور الطوال، لكنّه على كلّ حال ملحوظ دائما في بناء النظم القرآني.
ثمّ أخذ في ضرب المثال، قال:
وها نحن اولاء نتلو سورة النجم مثلًا:
«وَ النَّجْمِ إِذا هَوى. ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ وَ ما غَوى. وَ ما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى. إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى. عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوى. ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوى. وَ هُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلى. ثُمَّ دَنا فَتَدَلَّى. فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى. فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ ما أَوْحى. ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى. أَ فَتُمارُونَهُ عَلى ما يَرى. وَ لَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى. عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهى. عِنْدَها جَنَّةُ الْمَأْوى. إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ ما يَغْشى.
[١] - القصص ٣٠: ٢٨. راجع: النبأ العظيم، ص ٩٤- ٩٩.