التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٢٩ - ٢ - طرافة سبكه وغرابة اسلوبه
و قد قيل: إنّ ضمربن ضمرة والأقرع بن حابس وغيرهما درجوا على أن يُصدروا أحكامهم في عبارات وجمل مسجّعة عند ما كانوا يجلسون مجلس القضاء.[١]
وقد شاع السجع بين الكُتّاب والخطباء الإسلاميين شيوعا بالغا، بحيث لاتجد خطيبا ولا كاتبا إسلاميا حاد عن طريقة السجع في الكلام.
وهذه خُطب ورسائل وكلمات الإمام أميرالمؤمنين عليه السلام مزدانة بالسجع الرصين، خالٍ عن التكلّف البادي على أسجاع العرب التي كانت تنبو عنها الأسماع.
وأحسن السجع ما درج عليه القرآن الكريم، ولاسيّما في سوَره القصار المكّية، ذوات السجعات الرنّانة الأخّاذة بمجامع القلوب، وسنذكر: أنّ السجع زينة للكلام إذا كان على رسله ولم يتكلّف فيه، وفي القرآن منه الشيء الكثير، وهو أمر لايُنكر، لكنّه ليس من النوع المتكلّف فيه، وإنّما هو من المذلّل السهل، التابع للمعاني. والسجع إذا كان على هذا الوصف كان جميلًا، والقرآن كلّه جميل، ويناسبه كلّ وسائل الجمال.[٢]
*** وإليك من أسجاع العرب مايمجّه السمع، وقارن بينها وبين سجع القرآن البديع:
١- إنّ امرأة من بني سهم يقال لها «الغيطلة»[٣] كانت كاهنة في الجاهلية، جاءها صاحبها[٤] ليلة من الليالي فانقضّ من تحتها،[٥] ثمّ قال: ادْرِ ماادْرِ،[٦] يَوْمَ عَقْر وَنَحْر. فقالت قريش- حين بلغها ذلك-: مايريد؟ ثمّ جاءها ليلة اخرى فانقضّ من تحتها، ثمّ قال:
شُعُوب، ماشُعُوب؟ تُصْرَع فيه كَعبٌ لِجُنُوب. فلمّا بلغ ذلك قريشا قالوا: ماذا يريد؟ إن هذا لأمرٌ هو كائن! فانظروا ماهو؟ فما عرفوه حتى كانت وقعة بدر واحد بالشعب، فعرفوا أنّه الذي كان جاء به إلى صاحبته.[٧]
[١] - راجع: البيان والتبيين للجاحظ، ج ١، ص ١١٣، س ٩؛ ودائرة المعارف الإسلامية، ج ١١، ص ٢٩٦.
[٢] - سنذكر ذلك عند الكلام عن فواصل الآي.
[٣] - وفي نسخة ابن إسحاق« العيطالجة». سيرة ابن إسحاق، ج ١، ص ١١٢.
[٤] - أي رابطها من الجنّ، حسبما كانوا يزعمون.
[٥] - انقضّ الطائر إذا سقط على الشيء يريده.
[٦] - قال السهيلي( الروض الانف، ج ١، ص ٢٣٩): فيه رواية اخرى:« .. ومابَدْر؟ ...» وهي أبين من هذه.
[٧] - سيرة ابنهشام، ج ١، ص ٢٢١- ٢٢٢؛ وراجع: سيرة ابنإسحاق، ج ١، ص ١١٢؛ والروض الانف، ج ١، ص ٢٣٨- ٢٣٩.