التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٥٥ - «فمثله كمثل الكلب»
وكان لهم من الإيمان جناح يرفّون به إلى علّيّين، وكانوا من فطرتهم الأولى في أحسن تقويم، فإذا هم ينحطّون منها إلى أسفل سافلين:
«ساءَ مَثَلًا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَ أَنْفُسَهُمْ كانُوا يَظْلِمُونَ». وصدق اللّه العظيم.[١]
يقال: لهث الكلب، إذا أدلع لسانه من العطش. قال ابن دُرَيد: اللهث، يقال للإعياء والعطش جميعا.[٢] وهو كناية عن النهم الذي لاينقطع. وهكذا حالة المرابطين بالأرض، المنقطعين عن السماء، في لهث دائب ونهم دائم. ومن ثمّ فليس تشبيها بذات الكلب، وإنّما هو تشبيه بحالة زريّة!
«كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ»[٣]
وهذا أيضا مشهد من مشاهد هبوط الإنسانية من ذروتها العليا إلى الحضيض، حيث البهيميّة الساقطة. لالشيء إلّا للإعراض عن الهدى واتّباع الهوى، نكوصا على عقب وها هم أُولاء بنو إسرائيل نكثوا أيمانهم من بعد توكيدها، ومن ثَمَّ حقّ عليهم جزاء النكول عن عهدهم مع اللّه، والنكوص عن مقام الإنسان ذي الإرادة. فانتكسوا بهذا إلى عالم الحيوان والبهيمة، الحيوان الذي لاإرادة له، والبهيمة التي لاترتفع على دعوة البطون! انتكسوا بمجرّد تخلّيهم عن الخصّيصة الأُولى التي تجعل من الإنسان إنسانا. خصّيصة الإرادة المستعلية المستمسكة بعهد اللّه وبعهد الفطرة.
وليس من الضروري أن يستحيلوا قردة بأجسامهم، فقد استحالوا إليها بأرواحهم وأفكارهم، وانطباعات الشعور والتفكير تعكس على الوجوه، والملامح سمات تؤثّر في السحنة وتُلقى ظلّها العميق![٤]
[١] - الأعراف ١٧٧: ٧. راجع: في ظلال القرآن، ج ٣، ص ٦٧٦- ٦٧٧.
[٢] - المفردات للراغب، ص ٤٥٥.
[٣] - البقرة ٦٥: ٢؛ الأعراف ١٦٦: ٧.
[٤] - راجع: في ظلال القرآن، ج ١، ص ٩٩- ١٠٠.