التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤٣٧ - القسم والتشبيه
فهناك ما يقسم له، وهو المطلوب والمدّعى ثبوتُه، تجاه من ينكره أو يلوح منه أمارات الإنكار، حسبما سبق في كلام السكّاكي. و ما يقسم به، وهو المتسالم عليه حتّى لدى الخصوم، ويكون كبيّنة أو شاهد على إثبات المدَّعى.
ومن ثمّ فمن الضروري أن يقع الحلف بما هو حقّ واقع وحقيقة ثابتة لامرية فيها.
و ما تلك الأيمان في القرآن- بالكائنات- إلّا جريا مع حقيقة القسم وطبيعته الهادفة إلى التوكيد عن طريق التشبيه. الأمر الذي يستدعي أن يكون المقسم به، شيئا أو أمرا ثابتا لائحا لا غبار عليه.
إذن فالذي يؤدّيه القسم هو التشبيه محضا تشبيها لما لا ينبغي الشكّ فيه بما لا شكّ فيه يقينا.
قال تعالى: «فَوَ رَبِّ السَّماءِ وَ الْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ ما أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ»[١]. أي كما أنّه لا شك في فاطر السماوات والأرض،[٢] كذلك لا ينبغي الارتياب في أنّ الرزق مقسوم من السماء «وَ فِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ وَ ما تُوعَدُونَ ...»[٣].
و قال: «وَ السَّماءِ وَ الطَّارِقِ. وَ ما أَدْراكَ مَا الطَّارِقُ. النَّجْمُ الثَّاقِبُ. إِنْ كُلُّ نَفْسٍ إلا عَلَيْها حافِظٌ»[٤].
«وَ الشَّمْسِ وَ ضُحاها. وَ الْقَمَرِ إِذا تَلاها. وَ النَّهارِ إِذا جَلَّاها. وَ اللَّيْلِ إِذا يَغْشاها. وَ السَّماءِ وَ ما بَناها. وَ الْأَرْضِ وَ ما طَحاها. وَ نَفْسٍ وَ ما سَوَّاها. فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَ تَقْواها. قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها. وَ قَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها ...»[٥].
«ما» في هذه الآيات مصدريّة، أي: والسماء وبنائها. والأرض وطحوها. والنفس وتسويتها. كما أقسم بالشمس وضحاها.
فقد وقع الحلف في هذه الآيات السبع بأحد عشر شيئا، كلّها ثابتات يقينيّات لا مرية
[١] - الذاريات ٢٣: ٥١.
[٢] -« أَ فِي اللَّهِ شَكٌّ فاطِرِ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ» إبراهيم ١٠: ١٤.« وَ لَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ» الزخرف ٨٧: ٤٣.
[٣] - الذاريات ٢٢: ٥١.
[٤] - الطارق ١: ٨٦- ٤.
[٥] - الشمس ١: ٩١- ١٠.