التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٥٣ - «فمثله كمثل الكلب»
«مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفاراً. بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ! وَ اللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ».[١]
فبنوإسرائيل حُمّلوا التوراة، وكُلّفوا أمانة العقيدة والشريعة ... «ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها» ...
فحملها يبدأ بالإدراك والفهم والفقه، وينتهي بالعمل لتحقيق مدلولها في عالم الضمير وعالم الواقع. ولكن سيرة بني إسرائيل كما عرضها القرآن الكريم- وكما هي على متن الحقيقة- لاتدلّ على أنّهم قدّروا هذه الأمانة، ولا أنّهم فقهوا حقيقتها، ولا أنّهم عملوا بها.
ومن ثمّ كانوا كالحمار- أو أيّة بهيمة أُخرى- يحمل الكتب الضخام، وليس له منها إلّا ثقلها. فهو ليس صاحبها، وليس شريكا في الغاية منها!
وهي صوره زريّة بائسة، ومثل سيّء شائن، ولكنّها صورة معبّرة عن حقيقة صادقة.
وليست تخصّ اولئك اليهود البؤساء، وإنّما هي سارية بشأن كلّ من حمل مشعل الهداية وهو يسير في ظلام!
إنّ أمانة اللّه لايحملها إلّا القلوب الحيّة، الفاقهة، المدركة، الواعية، المتجرّدة، العاملة بما تحمل، والآمرة بما تعمل. هذا هو المراد بحمل رسالة اللّه، لاتحمّل عبأها المجرَّد!
«فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ»
وكمثل للانحراف عن سواء الفطرة، ونقض لعهد اللّه المأخوذ عليها، ونكوص عن آيات اللّه بعد رؤيتها والعلم بها ... ذلك الذي آتاه اللّه آياته، فكانت في متناول نظره وفكره، ولكنّه انسلخ منها، وتعرّى عنها ولصق بالأرض، واتّبع الهوى. فلم يستمسك بالميثاق الأوّل، ولا بالآيات الهادية، فاستولى عليه الشيطان، وأمسى مطرودا من حمى اللّه، لايهدأ ولايطمئنّ ولايسكن إلى قرار!
هذا ما عرضته الآية الكريمة، لكن بهذه الصياغة الساذجة، وإنّما صوّرته في مشهدٍ حيٍّ متحرّك، عنيف الحركة، شاخص السمات، بارز الملامح، واضح الانفعالات، يحمل
[١] - الجمعة ٥: ٦٢.