التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٤١ - ٤ - تناسق نظمه وتناسب نغمه
٤- تناسق نظمه وتناسب نغمه
وهو جانب خطير من إعجاز القرآن البياني، لَمَسته العرب منذ أوّل يومها فبَهَرتهم روعته ودَهَشَتهم رنّته، فأخضعهم للاعتراف في النهاية بأنّه كلام يفوق طوع البشر وأنّه كلام اللّه.
إنّه جانب «اتّساق نظمه وتناسب نغمه» وإيقاعاته الموسيقية الساطية على الأحاسيس، والآخذة بمجامع القلوب. وهذا الجمال التوقيعي للقرآن يبدو جليا لكلّ من يستمع إلى آياته تُتلى عليه، حتى ولو كان من غير العرب، فكيف بالعرب أنفسهم. وأوّل شيء تحسّه الآذان عند سماع القرآن هو ذا نظامُه الصوتيّ البديع، الذي قُسِّمت فيه الحركاتُ والسكونات تقسيما متنوّعا ومتوزّعا على الألحان الموسيقية الرقيقة، فينوّع ويجدّد نشاطَ السامع عند سماعه، ووزّعت في تضاعيفه حروف المدّ والغنّة توزيعا بالقسط، يساعد على ترجيع الصوت به، وتهاوى النَفَس فيه آنا بعد آن، إلى أن يصل قمّتها في الفاصلة فيجد عندها راحته الكبرى، على ما فصّله أساتذة الترتيل.
و ربّما استمع الإنسان إلى قصيدة، وهي تتشابه أهواؤها وتتساوق أنغامها، ولكنّه لايلبث أن يملّها، ولاسيما إذا اعيدت عليه وكرّرت بتوقيع واحد. بينما الإنسان من القرآن