التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٧٢ - حد الالتفات وفائدته
التقديم سبب أقوى، هي زيادة عَلَم من أعلام النبوّة، كانت مراعاته أولى على الموعظة بقوله: «فَاتَّقُوا النَّارَ».[١]
ونظيره قوله تعالى: «يا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنا عَلَيْكُمْ لِباساً يُوارِي سَوْآتِكُمْ وَ رِيشاً وَ لِباسُ التَّقْوى ذلِكَ خَيْرٌ ذلِكَ مِنْ آياتِ اللَّهِ».[٢]
فقوله: «وَ لِباسُ التَّقْوى ذلِكَ خَيْرٌ» جملة معترضة أفادت تذكيرا بملازمة التقوى التي هي خير لباس الصلاح، ثمّ يعود الكلام إلى ماقبله.
قال قدامة بنجعفر: لمّا امتنّ سبحانه على البشر بما أنزل عليهم من اللباس وسهّل عليهم أمره- في سياق قصّة أبيهم آدم عليه السلام- أراد تذكيرهم بملازمة لباس التقوى. وكان يمكنه التأخير، لكن ليحصل نوع مناسبة مع صدر الكلام، حيث مجيء ذكر اللباس. وهو من محاسن البديع، كما في قول الشاعر:
|
قالوا اقترح شيئا نجد لك طبخه |
قلت اطبخوا لي جبّة وقميصا |
|
ففيه «المشاكلة» و «التجنيس» بكلا قسميه «جناس المزاوجة» و «جناس المناسبة» على ماشرحه القوم.[٣]
*** قال ابن أبيالإصبع: وجاء في الكتاب العزيز من الالتفات قسم غريب جدّا- لم أظفر في سائر الكلام له بمثال، هداني اللّه إلى العثور عليه- وهو: أن يقدّم المتكلّم في كلامه حديثا عن أمرين يتعاقبان، ثمّ يخبر عن الأول منهما بشيء، وينصرف عنه إلى الإخبار عن الثاني، ثمّ يعود إلى الإخبار عن الأوّل، كقوله تعالى: «إِنَّ الْإِنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ. وَ إِنَّهُ عَلى ذلِكَ لَشَهِيدٌ». انصرف عن الإخبار عن الإنسان إلى الإخبار عن ربّه تعالى، ثمّ انصرف عنه وأَخبر عن الإنسان ثانيا «وَ إِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ»[٤] قال: وهذا يحسن أن يسمّى «التفات الضمائر».[٥]
[١] - بديع القرآن، ص ٤٣.
[٢] - الأعراف ٢٦: ٧.
[٣] - بديع القرآن، ص ٣٧ و ٤٤؛ وراجع: المطوّل، ص ٤٢٢.
[٤] - العاديات ٦: ١٠٠- ٨.
[٥] - بديع القرآن مع تصرّف، ص ٤٥. وصحّحناه على معترك الأقران، ج ١، ص ٣٨٣.