التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٧١ - دعوة زكريا ربه
عمّا وراء ذلك، والكلامُ في تقرير تلك اللطائف الإجمالية ومايتلوها من الأسرار التفصيلية مقرّرٌ في معرفة حدِّ الكلام وأصله، وأنَّ كلَّ مرتبة من مراتب الإجمال متروكة في الآية بمرتبة اخرى مفصّلة، حتّى تتّصل بما عليه نظمُ الآية وسياقُها، وجملة مانوردُه من ذلك درجات عشرٌ، كلّ واحدة منها على حظٍّ من الإجمال، بعدها درجة اخرى على حظّ من التفصيل، حتى تكون الخاتمة هو ما اشتمل عليه سياقُها المنظوم على أحسن نظام، وصار واقعا في تتميم بلاغتها أحسن تمام.
(الدرجة الاولى) نداء الخفية، فإنَّه دالُّ على ضعف الحال وخطاب المسكنة والذُلّ حتى لايستطيع حَراكا، وهو من لوازم الشيخوخة والهُزال، ولما فيه من التصاغر للجلال، والعظمة بخفض المصوب في مقام الكبرياء وعظم القدرة، فهذه الجملة مذكورة كما قرَّرناه، وهي مُناسبة لحاله، ولهذا صدَّرها في أول قصّتهِ لما فيها من ملائمة الحال وهضم النفس واستصغارها. وافتتاحها بذكر العبودية يؤكّد ماذكرناه ويؤيّده.
(الدرجة الثانية) كأنّه قال: ياربّ إِنّه قد دَنا عُمري، وانقضت أيّام شبابي، فإنّ انقضاء العُمر دالٌّ على الضعف والشيخوخة لامحالة، لأنّ انقضاء الأيّام والليالي هو الموصلُ إلى الفناء والضعف وشيب الرأس، ثمّ إِنّ هذه الجملة صارت متروكة لتوخّي مزيد التقرير إلى ما هو أكثر تفصيلًا منها ممّا يكون بعدها.
(الدرجة الثالثة) كأنّه قال: قد شِخْتُ فإنّ الشيخوخة دالّةٌ على ضعف البدن وشيب الرأس، لأنّها هي السبب في ذلك لامحالة.
(الدرجة الرابعة) كأنّه قال: وَهَنتْ عظامُ بَدني، جعله كناية عن ضعف حاله، ورقّة جسمه، ثمّ تركت هذه الجملة إلى جُملة اخرى أكثر تفصيلًا منها.
(الدرجة الخامسة) كأنّه قال: أنا وَهنت عظامُ بدني، فاعطيت مبالغة، لمّا قَدَّم المبتدأ ببناء الكلام عليه، كماترى.
(الدرجة السادسة) كأنّه قال: إنّي وهنت العظامُ من بدني، فأضاف إلى نفسه تقريرا مؤكّدا «بإنّ» للأمر، واختصاصها بحاله، ثمّ تُركت هذه الجملة بجملة غيرها.