التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٣٥ - ٩ - لطيف كنايته وظريف تعريضه
أمّا جعل الغيبة كأكل لحوم الناس فهو شديد المناسبة جدّا، لأنّها ذكر مثالب المغتاب والوقوع في عرضه، بل والحطّ من كرامته بما يهدم شخصيّته وإيجاب النفرة منه. الأمر الذي يستدعي إبعاده عن الحياة العامّة، ولاسيّما الحياة العملية المبتنية على تبادل الثقة بين أفراد الجامعة، فلا يعتمده إنسان ولايثق به غيره بعد حصول هذه النفرة بينه وبين سائر الناس. كلّ ذلك مغبّة فضحه بين الناس بسبب إبداء معايبه الخفيّة بالاغتياب، فكان كعضو أشلّ لهيكل الجامعة الإنسانية، وكان موته وشلله حينذاك سواء. إذا فالذي يفعله المغتاب يشبه تماما بمن قتل أخاه (العضو الفعّال الآخر للجامعة) واقتات على لحمه ميتا. فما أشدّ كراهته؟ فهذا مثله.
فالغيبة إذا شاعت فإنّما هي قتل النفوس وتمزيق أعراضهم وهدم شخصيّاتهم. فما أبشعها وأشنعها من صنيع مكروه ومرفوض لدى العقلاء!!
فانظر أيّها المتأمّل إلى هذه الكناية العجيبة تجدها من أبدع الكنايات وأعجبها وأدقّها تعبيرا ووفاءً بمقصود الكلام.
وكذلك قوله تعالى: «وَ أَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَ دِيارَهُمْ وَ أَمْوالَهُمْ وَ أَرْضاً لَمْ تَطَؤُها».[١] قال ابن الأثير: والأرض التي لم يطأوها كناية عن مناكح النساء، وهو من حسن الكناية ونادرها.
وقوله تعالى: «أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِها فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَداً رابِياً وَ مِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَ الْباطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً وَ أَمَّا ما يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ».[٢]
قال الزمخشري: هذا مثل ضربه اللّه للحقّ وأهله والباطل وحزبه، فكنّى بالماء عن العلم، وبالأودية عن القلوب، وبالزبد عن الضلال.
إنّ الماء لينزل من السماء فتسيل به الأودية، كلٌّ بقدرها، وهو بطبيعة جريه وسيلانه يلمّ في طريقه غثاء، فيطفو على وجهه صورة زبد، هي الشكوك الحاصلة من تضارب الآراء وحجاج الخصوم. حتى ليحجب الماء أي الحقيقة في بعض الأحيان. وقد يكون
[١] - الأحزاب ٢٧: ٣٣.
[٢] - الرعد ١٧: ١٣.