التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٠١ - تجسيم الأعمال وتجسيد المعنويات
أَعْناقِهِمْ أَغْلالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ. وَ جَعَلْنا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَ مِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْناهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ».[١] أو «خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَ عَلى سَمْعِهِمْ وَ عَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ».[٢] أو «الَّذِينَ كانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطاءٍ عَنْ ذِكْرِي».[٣]
وكلّها تجسّم هذه الحواجز المعنوية، كأنّما هي موانع حسّية، لأنّها في هذه الصورة أوقع وأظهر.
*** وقد يكون الوصف حسّيا بطبيعته، فيختار عن الوصف هيئة تجسّمه، كقوله: «يَوْمَ يَغْشاهُمُ الْعَذابُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ»[٤] في مكان يأتيهم من كلّ جانب، أو يحيط بهم. لأنّ هيئة الغشَيان من فوق ومن تحت أدخل في الحسّية من الوصف بالإحاطة. ومثله «إِذْ جاؤُكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَ مِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ»[٥] و «وَ لَوْ أَنَّهُمْ أَقامُوا التَّوْراةَ وَ الْإِنْجِيلَ وَ ما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ».[٦]
ومن هذا النوع: «كَأَنَّما أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعاً مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِماً»[٧] فهذا السواد الذي أصاب وجوهَهم ليس لونا ولا صبغة، وإنّما هو قطعة من الليل المظلم غشت وجوهَهم.
ومن «التجسيم» وصف المعنوي بمحسوس، كوصف العذاب بأنّه غليظ «وَ مِنْ وَرائِهِ عَذابٌ غَلِيظٌ»[٨] واليوم بأنّه ثقيل: «وَ يَذَرُونَ وَراءَهُمْ يَوْماً ثَقِيلًا».[٩]
فيتنقّل العذاب من معنىً مجرّد إلى شيء ذي غلظ وسمك. وينتقل اليوم من زمن لايُمْسك إلى شيء ذي كثافة ووزن.
وضرب الأمثلة على المعنوي بمحسوس، كقوله: «ما جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ»[١٠] لبيان أنّ القلب الإنساني لايتّسع لاتّجاهين. ومثل: «وَ لا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ
[١] - يس ٨: ٣٦- ٩.
[٢] - البقرة ٧: ٢.
[٣] - الكهف ١٠١: ١٨.
[٤] - العنكبوت ٥٥: ٢٩.
[٥] - الأحزاب ١٠: ٣٣.
[٦] - المائدة ٦٦: ٥.
[٧] - يونس ٢٧: ١٠.
[٨] - إبراهيم ١٧: ١٤.
[٩] - الإنسان ٢٧: ٧٦.
[١٠] - الأحزاب ٤: ٣٣.