التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٨٦ - ترسيم النموذج الإنساني
ثمّ ننظر إلى جمال التعبير من زاوية اخرى: إذ يرسم هذه الصورة، ثمّ يجعل هذه الحفرة من النار، ويجعلهم على شفا منها، فيطوي الحياة الدنيا كلّها- وهي الفاصل بينهم وبين النار- ويجعلهم- وهم بعدُ أحياء، وهم بعدُ في الدنيا- واقفين هذه الوقفة، على شفا حفرة من النار، حينما كانوا من الكفّار.
* وشبيهة بهذه الصورة صورة اخرى، لمن يقيم بنيانه على غير التقوى:
«أَ فَمَنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى تَقْوى مِنَ اللَّهِ وَ رِضْوانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى شَفا جُرُفٍ هارٍ فَانْهارَ بِهِ فِي نارِ جَهَنَّمَ».[١]
فهنا قد أكمل الحركة الأخيرة التي كانت متوقّعة هناك: «فَانْهارَ بِهِ فِي نارِ جَهَنَّمَ» وبذلك طوى الحياة الدنيا كلّها، دون أن يذكر ولو كلمة «ثُمّ» في موضع «الفاء» (فانهار) لأنّ هذا المدى الطويل قصير قصير، حتى لاضرورة لهذا «التراخي» القصير. وهذا فنّ من جمال العرض الذي أبدع فيه القرآن.
ترسيم النموذج الإنساني
قد أسبقنا أنّ شخصية كلّ إنسان هي تبلور صفاته وغرائزه وانطباعاته عن حياته الخاصّة في إطار محيطه وجوّ عيشته. فهو إنّما يتّجه حيث توجّهه فطرتُهُ وغريزتُه.
ولترسيم نماذج من هكذا إنسان هو أسير غرائزه واستهواءاته، روائع من التصوير الفنّي في القرآن. كالذي سبق في قولنا: وَمنهم مَن يَعبُد اللّه على حرف ... وأمثلة اخرى نزيد عليها:
* يُريدُ أن يشخّص حالة العناد السخيف، والمكابرة العمياء، التي لايُجدي معها حجّة ولابرهان، فيبرز «نموذجا إنسانيا» في هذه الكلمات:
«وَ لَوْ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ باباً مِنَ السَّماءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ لَقالُوا إِنَّما سُكِّرَتْ أَبْصارُنا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ».[٢]
أو يقول: «وَ لَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتاباً فِي قِرْطاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هذا
[١] - التوبة ١٠٩: ٩.
[٢] - الحجر ١٤: ١٥- ١٥.