التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٨٤ - تصوير الحالات النفسية
الجهل بالحقائق التي يواجهها في الحياة. ثمّ هو أسير مشتهياته وملذّاته، إن ظفر بها فرح وطرب، وإن خاب حزن واغتمّ. وهكذا إن نازعه منازع غضب واحتدّ، وغير ذلك من حالات تعتور الإنسان ولايمكن أن يخلو منها إنسان.
وقد أبدع القرآن في تصوير هذه الحالات النفسية للإنسان، وأتى بالإعجاب.
* مثلًا، يريد أن يبرز الحيرة التي تنتاب من يشرك بعد توحيد، ومن يتوزّع قلبه بين الإله الواحد والآلهة المتعدّدين، ويتفرّق إحساسه بين الهُدى والضلال، فيرسم هذه الصورة المحسّة المتخيّلة:
«قُلْ أَ نَدْعُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُنا وَ لا يَضُرُّنا وَ نُرَدُّ عَلى أَعْقابِنا بَعْدَ إِذْ هَدانَا اللَّهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّياطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرانَ لَهُ أَصْحابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنا».[١]
فتبرز صورة هذا المخلوق التعيس الذي استهوته الشياطين في الأَرض (ولفظ الاستهواء لفظ مصوّر لمدلوله) وياليته يتبع هذا الاستهواء في اتّجاهه، فتكون له راحة ذيالقصد الموحّد ولو كان في طريق الضلال، ولكن هناك من الجانب الآخر له إخوان يدعونه إلى الهُدى، وينادونه: «ائْتِنا». وهو بين هذا الاستهواء وهذا الدعاء «حَيران» موزّع القلب، لايدري أيّ الفريقين يجيب، ولا أيّ الطريقين يسلك، فهو قائم هناك شاخص متلفّت.
* ويريد أن يكشف عن حال اولئك الذين يهيّىء اللّه لهم المعرفة، فيفرّون منها كأن لم تُهيّأ لهم أبدا، ثمّ يعيشون بعد ذلك هابطين، تطاردهم أنفسهم وأهواؤهم، بما علموا وبما جهلوا، فلاهم استراحوا بالغفلة ولاهم استراحوا بالمعرفة، فيرسم لهم هذه الهيئة:
«وَ اتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا فَانْسَلَخَ مِنْها فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطانُ فَكانَ مِنَ الْغاوِينَ. وَ لَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها وَ لكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَ اتَّبَعَ هَواهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ».[٢]
وفي الصورة تحقير وتقذير- يحقّق الغرض الديني- ولكنّها من الوجهة الفنّية صورة
[١] - الأنعام ٧١: ٦.
[٢] - الأعراف ١٧٥: ٧- ١٧٦.