التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٣٦ - حكمة الكناية وفوائدها
هذا الزبد نافشٌ رابٍ منتفخ، ليبدو فخيما في شكله وظاهر صورته، ولكنّه في حقيقته غثاء. أمّا الماء من تحته فهو ساربٌ ساكنٌ هادىء، لكنّه الماء الحامل للخير والحياة، وسرعان ماتنصع حقيقته الصافية، وينقشع عن وجهه غبار الأوهام. كذلك يتصوّر في المعادن والفلزّات التي تذاب لتصاغ منها الحلي أو الأواني والآلات النافعة للحياة، فإنّها عند الذوبان يطفو عليها الخبث وقد يحجب وجه الفلز الأصيل، ولكنّه بعدُ خبثٌ يذهب جفاء، ويبقى الفلز نقيّا خالصا نافعا في الحياة.
وذلك مثَل الحقّ يجلّله غبار الباطل أحيانا، لكنّه لايلبث أن ينصدع فتتجلّى الحقيقة ناصعة بيضاء لامعة. «بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْباطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذا هُوَ زاهِقٌ» ومن ثمّ عقّبه بقوله: «وَ لَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ»[١] تصف أَلسنتكم الكذب من تشكيك وأوهام وخرافات.[٢]
حكمة الكناية وفوائدها
للكناية فوائد وحِكم ذكره أرباب البيان، ولخّصها جلال الدين السيوطي في ستّة وجوه:
أحدها: التنبيه على عظم القدرة، نحو: «هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ»[٣] كناية عن آدم عليه السلام فإنّ إخراج الذرّ الكثير من أصل واحد دليل على عظمة الصانع تعالى وقدرته الخارقة. فلو كان صرّح باسمه عليه السلام لكانت إشادة بشأنه بالذات.
ثانيها: ترك اللفظ إلى ماهو أجمل، نحو: «إِنَّ هذا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَ تِسْعُونَ نَعْجَةً وَ لِيَ نَعْجَةٌ واحِدَةٌ».[٤] فكنّى بالنعجة عن المرأة كعادة العرب في ذلك، لأنّ ترك التصريح بذكر المرأة أجمل منه، ولهذا لم تذكر في القرآن امرأة باسمها إلّا مريم. قال السهيلي: وإنّما ذكرت «مريم» باسمها على خلاف عادة الفصحاء لنكتة، وهي أنّ الملوك والأشراف
[١] - الأنبياء ١٨: ٢١.
[٢] - الكشاف، ج ٢، ص ٥٢٣؛ والمثل السائر، ج ٣، ص ٦٣؛ وفي ظلال القرآن، ج ٥، ص ٨٥.
[٣] - الأعراف ١٨٩: ٧.
[٤] - ص ٢٣: ٣٨.