التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٧٠ - حد الالتفات وفائدته
ومنه العدول عن الماضي إلى الاستقبال أو العكس، كقوله تعالى: «وَ اللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحاباً فَسُقْناهُ إِلى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنا بِهِ الْأَرْضَ».[١] فقوله: «تثير» مسبوق وملحوق بالفعل الماضي، اهتماما بشأنه، إرادة لاستحضار تلك الصورة البديعة الدالّة على القدرة الباهرة، وهي حكاية الحال التي يقع فيها إثارة الرياح للسحب. وهكذا يفعل بكلّ أمر فيه ميزة واختصاص، كحال تُستَغْرَب أو تُهِمُّ المخاطب أو غير ذلك.
قال ابن الأثير: العدول عن صيغة إلى اخرى لايكون إلّا لنوع خصوصية اقتضت ذلك، ولا يتوخّاه إلّا العارف برموز الفصاحة وأسرار البلاغة. وليس يوجد ذلك في كلّ كلام، فإنّه من أشكل ضروب علم البيان وأدقّها فهما وأغمضها طريقا.[٢]
ونظير الآية قوله: «فَكَأَنَّما خَرَّ مِنَ السَّماءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكانٍ سَحِيقٍ»[٣] فهو لاستحضار صورة خطف الطير إيّاه أو هويّ الريح به. وللآية تصوير فنّيّ رائع تكلّمنا عنه.
وقوله تعالى: «إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ»[٤] لم يقل: وصدّوا ... لأنّ كفرهم كان سابقا، وإنّما المتجدّد هو الصدّ عن سبيل اللّه ولايزال مستمرّا.
ومثلها قوله: «أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً».[٥] لأنّ نزول المطر ينقطع أمّا الاخضرار فيبقى مدّة.
وقد عكس ذلك في قوله: «وَ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَ مَنْ فِي الْأَرْضِ»[٦] فالعدول إلى الماضي للدلالة عل التحقّق وأنّه كائن لامحالة. ومثلها قوله:
«وَ يَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبالَ وَ تَرَى الْأَرْضَ بارِزَةً وَ حَشَرْناهُمْ فَلَمْ نُغادِرْ مِنْهُمْ أَحَداً».[٧]
ويجري هذا المجرى الإخبار عن المستقبل باسم المفعول، كما في قوله تعالى: «إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِمَنْ خافَ عَذابَ الْآخِرَةِ ذلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَ ذلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ».[٨]
[١] - فاطر ٩: ٣٥.
[٢] - المثل السائر، ج ٢، ص ١٨٣- ١٨٤.
[٣] - الحج ٣١: ٢٢.
[٤] - الحج ٢٥: ٢٢.
[٥] - الحج ٦٣: ٢٢.
[٦] - النمل ٨٧: ٢٧.
[٧] - الكهف ٤٧: ١٨.
[٨] - هود ١٠٣: ١١.