التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٢٨ - ٥ - تكنية وتخييل
وإذا كانوا مع التشبيه والاعتراف بالأصل يسوّغون أن لا يبنوا إلّا على الفرع، كما في قولهم:
|
هي الشمس مسكنها في السماء |
فعزّ الفؤاد عزاءً جميلا |
|
|
فلن تستطيع إليها الصعود |
ولن تستطيع إليك النزولا |
|
فهم إلى تسويغ ذلك مع جحد الأصل في الاستعارة أقرب.[١]
ومن الاستعارة المجرّدة قوله تعالى: «فَأَذاقَهَا اللَّهُ لِباسَ الْجُوعِ وَ الْخَوْفِ».[٢] استعير اللباس لما يبدو على الجوع الخوف من الضرّ والبؤس، ورثاثة الهيأة وانتقاع اللون وما شابه ذلك، وكانت استعارة اللباس بالنظر إلى شمول حالة الذلّ والمسكنة لهم، لتكون الاستعارة ذات فائدة معنوية بديعة، لا لمجرّد التوسعة في الكلام.
قال التفتازاني: وإنّما لم يقل: «طعم الجوع ...» وإن لاءم الإذاقة، فهو مفوّت لما يفيده لفظ اللباس من بيان أنّ الجوع والخوف عمّ أثرهما جميع البدن عموم الملابس.[٣]
ثمّ اقترنت هذه الاستعارة بما يلائم المستعار له، فقال: «فأذاقها»، ولم يقل:
«فكساها»- حتى يكون ترشيحا وهو أبلغ من التجريد- لأنّ الإدراك بالذوق يستلزم الإدراك باللمس، دون العكس، وفي الإذاقة إشعار بشدّة الإصابة والتأليم. وهذا هو السرّ في العدول من الترشيح إلى التجريد.
ومن الترشيح قوله تعالى: «أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ»[٤] استعير الاشتراء لمطلق الاستبدال والاختيار، ثمّ فرّع عليها ما يلائم الاشتراء من الربح والتجارة.
٥- تكنية وتخييل
قد يضمر التشبيه في النفس، فلا يذكر سوى المشبّه، على خلاف سائر الاستعارات المذكور فيها المشبّه به، لكن مع الاقتران بشيء من خصائص المشبّه به دليلًا على
[١] - مفتاح العلوم، ص ١٨٢- ١٨٣.
[٢] - النحل ١١٢: ١٦.
[٣] - المطوّل، ص ٣٧٨.
[٤] - البقرة ١٦: ٢.