التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٩٧ - نكت وظرف فيما تكرر من آيات الذكر الحكيم
قيل: لأنّه في كلّ موضع بمعنى غير معناه الآخر، فوجب الإظهار ليكون كلّ واحد مستقلًاّ بالإفادة، وإلّا لاحتاج إلى الاستخدام.
فالميزان الأوّل هو النظام الكوني الحاكم على كلّ موجودات العالم. والثاني هو نظام الشريعة الحاكم على أفعال العباد وتصرّفاتهم. والثالث هي آلة الوزن المعروفة.[١]
١١- قوله تعالى: «فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ» كرّرت إحدى وثلاثين مرّة: ثمانية منها ذكرت عقيب آيات فيها تعداد عجائب الخلق وبدائع الصنع، والمبدأ والمعاد.
وسبعة منها عقيب آيات العقاب والنار وشدائد نقمته تعالى.
ثمّ ثمانية منها عقيب وصف الجنّات ونعيمها.
وثمانية اخرى بعدها للجنتين وما حوتا عليه من نِعم كبار،[٢] رزقنا اللّه التنعّم بنعمها الجسام العظام.
أمّا التذكير بالآلاء عقيب ذكر العقاب والنار فلأنّه أيضا من النِعم التي أنعم اللّه بها على الإنسان، لأنّ تكوين الشخصية المعتدلة ذو عاملين أساسيين، عامل الخوف وعامل الرجاء، فكما أنّ الوعد يُؤثّر في تربية النفس ترغيبا في الثواب، كذلك الوعيد مؤثّر في التربية ترهيبا عن العقاب. فكلاهما من الآلاء والنِعم الإلهية لهذا الإنسان في سبيل تربيته.
قال الطبرسي: فأمّا الوجه لتكرار هذه الآية في هذه السورة فإنّما هو التقرير بالنِعم المعدودة والتأكيد في التذكير بها كلّها. فكلّما ذكر سبحانه نعمة أنعم بها قرّر عليها ووبّخ على التكذيب بها، كما يقول الرجل لغيره: أما أحسنت إليك حين أطلقت لك مالًا، أما أحسنت إليك حين ملّكتك عقارا، أما أحسنت إليك حين بنيت لك دارا ... فيحسن فيه التكرار لاختلاف ما يقرّره.
قال: ومثله كثير في كلام العرب وأشعارهم. ثمّ جعل ينشد أبياتا قالها مهلهل بنربيعة[٣] يرثي أخاه كليبا، وقصيدة ليلى الأخيليّة ترثي توبة بنالحمير، وأبياتا للحارث
[١] - أسرار التكرار، ص ١٩٨.
[٢] - المصدر.
[٣] - هو خال امرىء القيس، قيل: هو أوّل من قصّد القصائد.