التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٣٨ - حكمة الكناية وفوائدها
وقوله: «الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَها فَنَفَخْنا فِيهِ مِنْ رُوحِنا».[١]
واجيبُ بأنّ المراد به فرج القميص، والتعبير به من لطيف الكنايات وأحسنها، أي لم يعلّق ثوبها ريبة، فهي طاهرة الثوب، كما يقال: نقيّ الثوب، وعفيف الذيل- كناية عن العفّة- ومنه: «وَ ثِيابَكَ فَطَهِّرْ».[٢] وكيف يظنّ أنّ نفخ جبرئيل وقع في فرجها، وإنّما نفخ في جيب درعها. ونظيره أيضا «وَ لا يَأْتِينَ بِبُهْتانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَ أَرْجُلِهِنَّ».[٣]
قال الفرّاء: والفرج هاهنا: جيب درعها، وذُكرَ أنّ جبرائيل عليه السلام نفخ في جيبها. وكلّ ما كان في الدرع من خرق أو غيره يقع عليه اسم الفرج. قال اللّه تعالى: «وَ ما لَها مِنْ فُرُوجٍ»[٤] يعني السماء من فطور ولا صدوع.[٥]
وقال في موضع آخر: ذكر المفسّرون أنّه جيب درعها، ومنه نُفخ فيها[٦] ودرع المرأة قميصها. وهكذا قال السيد شبّر والطبرسي وغيرهما من أعلام المفسّرين.[٧]
قال الراغب: الفرج والفرجة: الشقّ بين الشيئين كفرجة الحائط. والفرج: مابين الرجلين. وكنّى به عن السوأة، وكثر استعماله حتى صار كالصريح فيه.
قلت: وإطلاق الفرج على الجيب باعتبار أنّه الشقّ الواقع بين جانبي الدرع، إطلاق على أصله، وكنّى به عن السوأة، سواء أكانت من الرجال أم من النساء، كما في قوله تعالى:
«وَ الَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ».[٨] «قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يغظوا مِنْ أَبْصارِهِمْ وَ يَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ...
وَ قُلْ لِلْمُؤْمِناتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصارِهِنَّ وَ يَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ».[٩] «وَ الْحافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَ الْحافِظاتِ».[١٠]
وحفظ الفرج كناية عن التحفّظ على طهارته وأن لايتدنّث باقتراب قذارة أو يتلوّث
[١] - التحريم ١٢: ٦٦.
[٢] - المدّثّر ٤: ٧٤.
[٣] - الممتحنة ١٣: ٦٠.
[٤] - ق ٦: ٥٠.
[٥] - معاني القرآن، ج ٣، ص ١٦٩.
[٦] - المصدر: ج ٢، ص ٢١٠.
[٧] - مجمع البيان، ج ٧، ص ٦٢ وج ١٠، ص ٣١٩؛ وتفسير شبّر، ص ٣٢١ و ص ٥٢٤.
[٨] - المؤمنون ٥: ٢٣؛ المعارج ٢٩: ٧٠.
[٩] - النور ٣٠: ٢٤- ٣١.
[١٠] - الأحزاب ٣٥: ٣٣.