التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٨٣ - تصوير الحالات النفسية
هكذا في ومضة يخرّ من السماء من حيث لايدري أحد، فلا يستقرّ على الأَرض لحظة، إنّ الطير لتخطفه. أو أنّ الريح لتهوي به، وتهوي به في مكان سحيق، حيث لايدري أحد كذلك، وذلك هو المقصود.
* ويريد أن يثبت معنى الحرمان والإهمال في الآخرة لهؤلاء الذين أعطاهم اللّه الكتاب من قبل الإسلام فأهملوه، وعاهدهم على الإيمان فعاهدوه ثمّ أخلفوه، ابتغاء نفع مادّيّ قليل، شأن من لاعهد له، ولا احترام لكلمته، فيرسم لهذا الإهمال المعنوي صورة حسّية:
«إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَ أَيْمانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلًا أُولئِكَ لا خَلاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَ لا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَ لا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَ لا يُزَكِّيهِمْ وَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ».[١]
فيوضّح معنى الإهمال لابألفاظ الإهمال، ولكن برسم الحركات الدالّة عليه: لاكلام، ولا نظر، ولا تزكية، وإنّما عذابٌ أليم.
تصوير الحالات النفسية
تعتور الإنسان حالات نفسية، تنتابه على أثر انفعالات هي بدورها متأثّرة من محيطه وتنطبع في نفسه لتشكّل شخصيّته، وماهي سوى انعكاسات وردود فعل حاصلة في نفسه، إن رقيقا أو عنيفا، حسب قوّة نفسه أو ضعفها عند مجابهة مشاكل الحياة. الأمر الذي يؤثّر في تكييف حياته وفي تصرّفاته والاتجاه الذي يختاره في مسيرته. بل وإنّ تلك الصفات والغرائز المنطبعة في نفسه هي التي تتجلّى على أعماله وتصرّفاته، وتعيّن اتّجاهه في مصير الحياة، بل وهي التي تسيّره وتجذبه إلى مسرح تجسّدات نفسيّاته وغرائزه جذبا «قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى شاكِلَتِهِ»[٢] أي على وفق طبيعته وغريزته الحاصلة في نفسه على أثر انطباعاته وكلّ إناء بالذي فيه ينضح.
وأُولى حالة نفسية تعترض سبيل الإنسان هي حالة الشكّ والترديد، الناشئة من
[١] - آل عمران ٧٧: ٣.
[٢] - الإسراء ٨٤: ١٧.