التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٧٤ - ألفاظ وتعابير أم قوامع من حديد؟
نَعْمَلْ»[١] يُخيّل إليك جرس اللفظة غلظ الصراخ المختلط المتجاوب من كلّ جانب، المنبعث من حناجر مكتظّة بالأصوات الخشنة، كما تُلقى إليك ضلّ الإهمال لهذا الاصطراخ الذي لايجد من يهتمّ بشأنه أو يلبّيه. وتلمح من وراء ذلك كلّه صورة ذلك العذاب الغليظ الذي هم فيه يصطرخون.
وحين يستقلّ لفظ واحد بهذه الصُور كلّها، ويدلّك اللفظ عليه قبل دلالة المعنى يكون ذلك فنّا من التناسق البديع.[٢]
* وعندما تستمع إلى قوله تعالى: «مَثَلُ ما يُنْفِقُونَ فِي هذِهِ الْحَياةِ الدُّنْيا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيها صِرٌّ[٣] أَصابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ».[٤]
وكأنّك تحسّ بسمعك صوت هذه الريح العاتية، ولها صرير وصراخ وقعقعة وهياج، تُنسف وتُدمّر كلّ شيء، فتصوّر وقع عذاب شديد أَلمَّ بقوم ظالمين ...
* وهكذا عندما تُتلى عليك: «إِنَّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ. تَنْزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ»[٥] أو «وَ أَمَّا عادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عاتِيَةٍ»[٦] تجد وقع العذاب وشدّته من مضض هذه اللفظة عند اصطكاكها مع صماخ اذنك، واللفظة مضاعفة بجرسها دلالة على مضاعفة العذاب.
* وعند ماتقرأ: «فَإِذا جاءَتِ الصَّاخَّةُ. يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ. وَ أُمِّهِ وَ أَبِيهِ. وَ صاحِبَتِهِ وَ بَنِيهِ- إلى قوله- وَ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْها غَبَرَةٌ. تَرْهَقُها قَتَرَةٌ. أُولئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ»[٧] تجد وقع هذا الصراخ المدهش الذي يذيب القلوب وتذهل النفوس.
قال ابن عباس: «الصاخّة» صيحة القيامة، سمّيت بذلك لأنّ صرختها تصخّ الآذان، أي تدكّها دكّا عنيفا تكاد تصمّها. وهكذا اللفظة دلّت عليه برنّتها المرعدة ذات وقع صوتيّ عنيف، وكأنّك تشهد الموقف، وقد فاجأتك صرخته.
[١] - فاطر ٣٦: ٣٥ و ٣٧.
[٢] - التصوير الفنّي، ص ٧٢.
[٣] - صاد حرف مستعل ومصمت ذو صفير. وراء حرف مجهور منذلق ذو تكوير.
[٤] - آل عمران ١١٧: ٣.
[٥] - القمر ١٩: ٥٤- ٢٠.
[٦] - الحاقة ٦: ٦٩.
[٧] - عبس ٣٣: ٨٠- ٤٢.