التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٧١ - حد الالتفات وفائدته
لأنّ اسم المفعول يتضمّن معنى الفعل الماضي الدالّ على التحقّق والوقوع لامحالة.
فإنّه إنّما آثر اسم المفعول الذي هو «مَجْمُوعٌ» على الفعل المستقبل الذي هو «يُجمع» لما فيه من الدلالة على ثبات معنى الجمع لليوم، وأنّه الموصوف بهذه الصفة. قال ابن الأثير:
وان شئت فوازن بينه وبين قوله تعالى: «يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ»[١] فإنّك تعثر على صحّة ماقلت.[٢]
*** ونوع آخر من الالتفات، هو أشبه بباب «الاستطراد» بأن يشرع المتكلّم في نوع من الكلام ويستمرّ عليه، ثمّ يخرج إلى غيره، وأخيرا يعود إلى ماكان عليه. فلنسمّيه «مداورة الكلام»، وهو من لطيف التفنّن في التعبير، كمن يطارد صيدا فيعنّ له آخر فيطرده، ثمّ يرجع إلى الأسبق وهكذا. وقد ذكره بعضهم باسم «الاعتراض» و «الاستدراك». وعلى أيّة حال فإنّه من تداخل الفنون الجميلة ومجمع أنحاء الجمال.
ومثّلوا له بقوله تعالى: «فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَ لَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ».[٣]
فقوله: «وَ لَنْ تَفْعَلُوا» استدراكٌ جميل، وتيئيسٌ لطيف، وتبكيتٌ قاطع، فللّه درّه من التفات بديع.
قال قدامة بنجعفر الكاتب:[٤] أراد تعالى أن يضمّن آية التحدّي ضربا آخر من الإعجاز بإخباره عن عجز مطبق عن إمكان معارضته مع الأبد، ليكون جريان هذا الخبر الصادق على لسان نبيّه، حتى إذا وقع كان عَلَما على صدقه، فردّ المكذّبين، وثبّت المؤمنين، فقال: «ولن تفعلوا» قبل أن يتمّ الكلام الأوّل. وكان يمكنه تأخير هذه الجملة ...
لكن لهذا التقديم تأثير بليغ في النظم، يجعل له في القلوب من الجلالة والتفخيم والرونق مالايعبّر عنه. ولا يعرف لذلك سبب ظاهر إلّا وقوع تجنيس الازدواج بقوله: «فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَ لَنْ تَفْعَلُوا» نظير قوله: «فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ».[٥] لكنّه في المعنى كان لهذا
[١] - التغابن ٩: ٦٤.
[٢] - المثل السائر، ج ٢، ص ١٩٠- ١٩١.
[٣] - البقرة ٢٤: ٢.
[٤] - توفي سنة ٣٣٧. كان يضرب به المثل في البلاغة.
[٥] - البقرة ١٩٤: ٢.