التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٠٠ - تجسيم الأعمال وتجسيد المعنويات
* ويحدّث عن حالة نفسية معنوية هي حالة التضايق والضجر والحرج، فيجسّمها كحركة جثمانية: «وَ عَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذا ضاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ وَ ضاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَ ظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ».[١] فالأَرض تضيق عليهم، ونفوسهم تضيق بهم كما تضيق الأَرض، ويستحيل الضيق المعنوي في هذا التصوير ضيقا حسّيا أوضح وأوقع، وتتجسّم حالة هؤلاء الّذين تخلّفوا عن الغزو مع الرسول، فأحسّوا بهذا الضيق الخانق، وندموا على تخلّفهم ذلك الندم المحرج، حتى لايجدون لهم ملجأً ولا مفرّا، ولا يطيقون راحةً إلى أن قبِل اللّه توبتهم.[٢]
ومثله: «وَ أَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَناجِرِ كاظِمِينَ ما لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَ لا شَفِيعٍ يُطاعُ»[٣] فالقلوب كأنّما تفارق مواضعها وتبلغ الحناجر حقّا من شدّة الضيق.
ومنه: «فَلَوْ لا إِذا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ. وَ أَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ»[٤] كأنّما الروح شي مجسّم، يبلغ الحلقوم في حركة محسوسة.
ومنه: «إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَ بَيْنَهُمْ مِيثاقٌ أَوْ جاؤُكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقاتِلُوكُمْ أَوْ يُقاتِلُوا قَوْمَهُمْ»[٥] أي ضاقت صدورهم من الحيرة والحرج بين أن يقاتلوكم انتصارا لقومهم، أو يقاتلوا قومهم انتصارا لكم.
* ويصف حالة عقلية أو معنوية، وهي حالة عدم الاستفادة ممّا يسمعه بعضهم من الهُدى، وكأنّهم لم يسمعوا به، أو يتصلوا اتّصالًا ما، فيجعل كأنّما هناك حواجز مادّية تفصل بينهم وبينه، مثل: «إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ».[٦] أو «وَ جَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً[٧] أنْ يَفْقَهُوهُ وَ فِي آذانِهِمْ وَقْراً».[٨] أو «أَ فَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها».[٩] أو «إِنَّا جَعَلْنا فِي
[١] - التوبة ١١٨: ٩.
[٢] - الثلاثة هم: كعب بن مالك، وهلال بن اميّة، ومرارة بن الربيع.
[٣] - غافر ١٨: ٤٠.
[٤] - الواقعة ٨٣: ٥٦- ٨٤.
[٥] - النساء ٩٠: ٤.
[٦] - الشعراء ٢١٢: ٢٦.
[٧] - أغطية. والوقر: الصمم وأصله الثقل.
[٨] - الأنعام ٢٥: ٦.
[٩] - محمَّد ٢٤: ٤٧.