التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤٨٥ - رسالة الزمخشري في إعجاز سورة الكوثر
رذيلة، واختصّه بكلّ توقير وبعّد حاله من كلّ تحقير، واختار له كلّ مايقع عليه الاختيار، وخوّله مايطول به الافتخار، فجعل ذاته خيرة الإنس، وصفوة الأنبياء، وسيّد الأموات والأحياء، والامّة التي انتضاه منها خير امّة، والأئمّة الذين استخلفهم بعده خير أئمّة، وكتابه الذي أُنزل عليه خير كتاب، وأصحابه الذين قرنهم به خير أصحاب، وزمانه الذي بعثه فيه خير زمان، ولسانه الذي نطق به خير لسان، ولا يحسن أن ينزل على أفضل رسول، أفضل كتاب بلسان مفضول، ومن لم يعقل عن اللّه تعالى: «بِلِسانٍ عَرَبيٍّ مُبين»[١] فلا عَقل، ومن لم ينقل: «خير اللسان العربي» فلا نقل، ثمّ هو لسان أهل الجنّة، وذلك طَول من ذي الطَول والمِنّة.
ووجدت العرب كما يتباهون بالشدّة في مواطن الحرب، وبالنجدة في مقاوم الطعن والضرب، وبدقّهم في النحور صدور الرماح، وحطمهم في الرقاب متون الصفاح، يتحلّقون فيعدّون أيّامهم في الجاهلية والإسلام، ووقائعهم في أشهر الحلّ والإحرام، كذلك حالهم في التباهي بالكلام الفحل، والتباري في المنطق الجزل، والافتخار بالألسن اللدّ، وإرسالها في أودية الهزل والجدّ، وبثبات الغَدَر[٢] في مواقف الجدل والخصام، وعند مصاكّ الركب ومصافّ الأقدام، ليسوا في مجالدتهم بأشدّ منهم في مجادلتهم، ولا في مقاتلتهم بأحدّ منهم في مقاولتهم، ولقد نطقت بذلك أشعارهم، وشَهدت به آثارهم.
قال لبيد:[٣]
[١] - الشعراء ١٩٥: ٢٦.
[٢] - يقال: رجل ثبت الغدر أي: ثابت في قتال أو كلام.
[٣] - لبيد بنربيعة بنمالك، أبوعقيل العامري، أحد الشعراء الفرسان الأشراف في الجاهلية من أهل عالية نجد، أدرك الإسلام، ووفد على النبي صلى الله عليه و آله، ويُعدّ من الصحابة ومن المؤلّفة قلوبهم، وترك الشعر، فلم يقل في الإسلام إلّا بيتا واحدا، قيل هو:
|
ما عاتب المرء الكريم كنفسه |
والمرءُ يصلحه الجليسُ الصالحُ |
|