التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤٠٩ - سطوع براهينه
مخرج الشكّ للمبالغة في العدل والمظاهرة في الاحتجاج. فمن ذلك قوله تعالى: «وَ إِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ».[١] وقوله: «قُلْ إِنْ كانَ لِلرَّحْمنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعابِدِينَ»[٢] وعلى هذا النحو خرج مخرج قوله تعالى: «أَصْحابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا»[٣] جاء على التسليم أنّ لهم مستقرّا خيرا من جهة السلامة من الآلام، لأنّهم (أي المشركون) ينكرون إعادة الأرواح إلى الأجساد، فقيل: على هذا «أَصْحابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا». ومنه قوله: «وَ هُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَ هُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ»[٤] على التسليم أنّ أحدهما أهون من الآخر فيما يسبق إلى نفوس العقلاء.[٥]
سُطوع براهينه
قلت: دلائل القرآن لامعة، وبراهينه ساطعة، لكن لاعلى الأساليب المعقّدة التي ينتهجها أرباب الكلام، بل على طريقة العقلاء في متعارفهم، في قوّة منطق وإناقة بيان. فقد أخذ من المسلّمات (القضايا البديهية والمعترف بها) برهانا على النظريّات، ومن المشاهدات المحسوسة دليلًا على حقائق راهنة لامحيص عنها. كلّ ذلك على طريقة واضحة ومحجّة لائحة. يستذيقها الطبع، ويستلذّها الذوق، وتستسلم لها العقول. «إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَ هُوَ شَهِيدٌ».[٦]
* منها قوله تعالى: «قُلْ إِنْ كانَ لِلرَّحْمنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعابِدِينَ».[٧]
هذا استدلال على الطريقة العقلانية، إذ لو كان للّه ولد- كما يقوله هؤلاء البعداء عن ساحة قدسه تعالى- لكان أول معترف به هم الرسل الذين جاؤوا من عنده، وهم أقرب إليه ممّن سواهم.
* وقوله: «لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا».[٨] وقد أوضحَته آية اخرى: «مَا اتَّخَذَ اللَّهُ
[١] - سبأ ٢٤: ٣٤.
[٢] - الزخرف ٨١: ٤٣.
[٣] - الفرقان ٢٤: ٢٥.
[٤] - الروم ٢٧: ٣٠.
[٥] - النكت في إعجاز القرآن، ص ١٠٥.
[٦] - ق ٣٧: ٥٠.
[٧] - الزخرف ٨١: ٤٣.
[٨] - الأنبياء ٢٢: ٢١.