التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤١٨ - إمتاع العقل والنفس معا
التشبيه، فهو بمنزلة «هو» محضا.
فكان المعنى: ليس يُشبه مثله تعالى شيء، أي ليس يشبهه في كمال أوصافه ونعوته شيء.
قال الاستاذ درّاز: الآية لاترمي نفي الشبيه له تعالى فحسب، إذ كان يكفي لذلك أن يقول: «ليس كاللّه شيء» أو «ليس مثله شيء»، بل ترمي وراء ذلك دعم النفي بما يصلح دليلًا على الدعوى والإنعات إلى وجه حجّة هذا الكلام وطريق برهانه العقلي، ألاترى أنّك إذا أردت أن تنفي نقيصة عن إنسان فقلت: «فلان لايكذب» أو «لايبخل» كان كلامك هذا مجرّد دعوى لادليل عليها. أمّا إذا زدت كلمة المثل وقلت: «مثل فلان لايكذب» أو «لايبخل» فكأنّك دعمت كلامك بحجّة وبرهان، إذ مَنْ كان على صفاته وشيمه الكريمة لايكون كذلك، لأنّ وجود هذه الصفات والنعوت ممّا تمنع الاستفسال إلى رذائل الأخلاق. وهذا منهج حكيم وضع عليه اسلوب كلامه تعالى. وأنّ مثله تعالى ذا الكبرياء والعظمة لايمكن أن يكون له شبيه، أو أنّ الوجود لايتّسع لاثنين من جنسه.[١]
فقد جيء بأحد لفظي التشبيه ركنا في الدَّعوى، وبالآخر دعامةً لها وبرهانا عليها.
وهذا من جميل الكلام وبديع البيان، ومن الوجيز الوافي.
٣- وقال تعالى- بصدد بيان لانهائية فيوضه عزّت آلاؤه-: «وَ لَوْ أَنَّ ما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَ الْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللَّهِ».[٢]
هذه مقارنة بين المحدود واللامحدود، وأنّ المحدود مهما بلغ عدده وتضخّم حجمه فإنّه لايُقاس بغير المحدود، إذ ذاك ينتهي وهذا لاينتهي، ولامناسبة بين ماينتهي إلى أمد مهما طال أو قصر، وما يمتدّ إلى مالانهاية أبدا.
والكلمة- فيهذهالآية- يُراد بها الوجود المفاض بأمره تعالى، المتحقّق بقوله: «كن».
قال تعالى: «إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ».[٣]
[١] - النبأ العظيم، ص ١٢٨.
[٢] - لقمان ٢٧: ٣١.
[٣] - يس ٨٢: ٣٦.