التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤٠٥ - الاستخدام
منضمّا إلى مافيه من ائتلاف اللفظ والمعنى والتهذيب وحسن النسق والتمثيل وحسن البيان والمساواة، لتعلم أنّ هذا الكتاب العزيز- بأمثال هذه الآية- عجَّز الفصحاء وبلّد الأذكياء وأعيى على البلغاء.[١]
الاستخدام
أن يؤتى بلفظ يحتمل معنيين أو معاني، فيراد به أحد معانيه، ثمّ يتعقّب بما يفهم منه إرادة معناه الآخر، مجازا أو حقيقةً بالاشتراك، أعمّ منه أو أخصّ أو مباين.
وهي طريقة في البيان أشبه بالتورية، قلّ من يستطيع سلوكها بسلام وتجنّب لأخطارها، من الوقوع في الكذب أو التشويش على السامع، بإجمال أو إبهام في كلام.
لكنّه فنّ بديع واسلوب رقيق، إن دلّ فإنّما يدلّ على سلطة في البيان، ويكون آخذا وثيقا بأعنّة الكلام يوجّهه حيثما شاء، لايخاف دركا ولايخشى. وقد استعمله القرآن بسهولة ويُسر وسلامته عن الخلل والفساد، الأمر الذي لايوجد نظيره في سائر الكلام.
من ذلك قوله تعالى: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَ أَنْتُمْ سُكارى حَتَّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ وَ لا جُنُباً إِلَّا عابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا».[٢]
فالصلاة مراد بها أولًا معناها المعهود. لكنّه في قوله: «وَ لا جُنُباً إِلَّا عابِرِي سَبِيلٍ» اريد موضعها وهو المسجد، حيث كان المتعارف إيقاع الصلاة فيه ذلك العهد.
*** ومثّل له ابن أبيالإصبع بقوله تعالى: «لِكُلِّ أَجَلٍ كِتابٌ. يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَ يُثْبِتُ وَ عِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ».[٣]
فالكتاب في «لِكُلِّ أَجَلٍ كِتابٌ» يحتمل معنيين: الأمد المحدود لايتغيّر ولا يتبدّل، كقوله تعالى: «حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتابُ أَجَلَهُ»[٤] أي أمده المقرّر شرعا وهو تمام العدّة. والمعنى
[١] - بديع القرآن، ص ٤٦- ٤٨.
[٢] - النساء ٤٣: ٤.
[٣] - الرعد ٣٨: ١٣- ٣٩.
[٤] - البقرة ٢٣٥: ٢.