التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤٩٤ - رسالة الزمخشري في إعجاز سورة الكوثر
همّته بها المُشمَخِرَّة.
روينا بالإسناد الصحيح أنّ رسولاللّه صلى الله عليه و آله أهدى ماءة بدنة فيها جمل لأبي جهل في أنفه بُرة[١] من ذهب.[٢]
وحذف اللام الاخرى لدلالته عليها بالاولى، مع مراعاة حقّ التسجيع، الذي هو من جملة صنعة البديع، إذا ساقه قائله مساقا مطبوعا، ولم يكن متكلّفا أو مصنوعا، كما ترى أسجاع القرآن وبُعدها عن التعسّف، وبراءتها من التكلّف.
وقال: «لِرَبِّكَ»، وفيه حسنان، وروده على طريقة الالتفات[٣] التي هي امّ من الامّهات، وصرف الكلام عن لفظ المضمر، إلى لفظ المظهر، وفيه إظهار لكبرياء شأنه، وإنافة لعزّة سلطانه، ومنه أخذ الخلفاء قولهم: يأمرك أميرالمؤمنين بالسمع والطاعة، وينهاك أميرالمؤمنين عن مخالفة الجماعة.
وعن عمربن الخطاب أنّه حين خطب الأزدية أتى أهلها فقال لهم: خطب إليكم سيّد شباب قريش مروان بن الحكم، وسيّد أهل المشرق حسن بنبجيلة ويخطب إليكم أميرالمؤمنين- عنى نفسه-.
وعلم بهذه الصفة أنّ من حقّ العبادة أن يخصّ بها العباد ربّهم ومالكهم، ومن يتولّى معايشهم ومهالكهم، وعرّض بخطأ من سفه نفسه ونقض قضيّة لُبّه، وعبد مربوبا وترك عبادة ربّه.
وقال: «إِنَّ شانِئَكَ» فعلّل الأمر بالإقبال على شانئه وقلّة الاحتفال بشنآنه، على سبيل الاستئناف، الذي هو جنس حسن الموقع رائعه، وقد كثرت في التنزيل مواقعه،
[١] - البُرة: حلقة تجعل في لحم الأنف، وربّما كانت من شعر.
[٢] - أخرجه البيهقي في سننه، ج ٥، ص ٢٣٠.
[٣] - قال ابنحمزة العلوي في الطراز، ج ٢، ص ١٣٢: الالتفات: هو العدول من أُسلوب في الكلام إلى أُسلوب آخر مخالف للأول، وهذا أحسن من قولنا: هو العدول من غيبة إلى خطاب، ومن خطاب إلى غيبة، لأنّ الأول يعمّ سائر الالتفاتات كلّها، والحدّ الثاني إنّما هو مقصور على الغيبة والخطاب لاغير، ولا شكّ أنّ الالتفات قد يكون من الماضي إلى المضارع، وقد يكون على عكس ذلك، فلهذا كان الحدّ الأول هو أقوى دون غيره.