التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٣٧ - ٣ - عذوبة ألفاظه وسلاسة عباراته
الكلمة كلّها.
واللفظة إذا كانت خماسية الاصول فهذا لم يرد منه في القرآن شيء، لأنّه ممّا لاوجه للعذوبة فيه، إلّا ما كان من اسم عُرّب ولم يكن عربيا: كإبراهيم، وإسماعيل وطالوت، وجالوت، ونحوها. ولايجيء به مع ذلك إلّا أن يتخلّله المدّ كما ترى، فتخرج الكلمة وكأنّها كلمتان.
وفي القرآن لفظة غريبة هي من أغرب ما فيه، وما حسنت في كلام قطّ إلّا في موقعها من القرآن بالذات، وهي كلمة «ضيزى» من قوله تعالى: «تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزى».[١] ومع ذلك فإنّ حسنها في نظم الكلام هنا من أغرب الحسن وأعجبه، وأدرت اللغة عليها ماصلح لهذا الموضع غيرها.
فإنّ السورة التي هي منها- وهي سورة النجم- مفصّلة كلّها على الياء، فجاءت الكلمة فاصلة من الفواصل. ثمّ هي في معرض الإنكار على العرب، إذ وردت في ذكر الأصنام وزعمهم في قسمة الأولاد، فإنّهم جعلوا الملائكة والأصنام بنات للّه مع وأدهم البنات[٢] فقال تعالى: «أَ لَكُمُ الذَّكَرُ وَ لَهُ الْأُنْثى. تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزى».[٣] فكانت غرابة اللفظ أشدّ الأشياء ملائمة لغرابة هذه القسمة التي أنكرها عليهم، وكانت الجملة كلّها كأنّها تصوّر في هيئة النطق بها، الإنكار في الاولى والتهكّم في الاخرى. وكان هذا التصوير أبلغ مافي البلاغة، وخاصّة في اللفظة الغريبة التي تمكّنت في موضعها من الفصل، ووصفت حالة المتهكّم في إنكاره من إمالة اليد والرأس بهذين المدّين فيها إلى الأسفل والأعلى، وجمعت إلى كلّ ذلك غرابة الإنكار بغرابتها اللفظية.
وإن تعجب فعاجِب لنظم هذه الكلمة الغريبة وائتلافه على ماقبلها، إذ هي مقطعان:
أحدهما مدّ ثقيل، والآخر مدّ خفيف، وقد جاءت عقب غنّتين في «إذا» و «قسمة» إحداهما خفيفة حادّة، والاخرى ثقيلة متفشّية، فكأنّها بذلك ليست إلّا مجاورة صوتية لتقطيع موسيقي.
[١] - النجم ٢٢: ٥٣. والضيز: الجور، أي فهي قسمة جائرة.
[٢] - أي دفنهنّ على الحياة كما كان من عادتهم.
[٣] - النجم ٢١: ٥٣- ٢٢.