التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٩٠ - إيجاز قصر
«لَمَّا يَقْضِ ما أَمَرَهُ» أي لم يقض مع تطاول عهده بالتكليف. يعني أنّ إنسانا لم يَخْلُ من تقصير قطّ.
ألا ترى إلى هذا الكلام الذي لو أردت أن تحذف منه كلمة واحدة لما قدرت على ذلك، لأنّك كنت ذهبت بجزءٍ من معناه، ولأخللت باسٍّ من اسس المقصود. فللّه درّه من كلام وجيز بليغ.
قال ابن الأثير: والإيجاز هو أن لايمكنك أن تسقط شيئا من ألفاظه.[١]
والآيات الواردة من هذا الضرب كثيرة كقوله تعالى: «فَمَنْ جاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهى فَلَهُ ما سَلَفَ».[٢]
ما أجمل هذا الكلام وأكمله وأوفاه، في حين وجازته البالغة.
فقوله: «فَلَهُ ما سَلَفَ» من جوامع الكلم، ومعناه: أنّ خطاياه الماضية قد غُفرت له، وتاب اللّه عليه فيها. إلّا أنّ قوله: «فَلَهُ ما سَلَفَ» أبلغ ... أي أنّ السالف من ذنوبه لايكون عليه إنّما هو له أي موهوب له.
وكذلك ورد قوله: «من كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ».[٣]
فقوله: «فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ» كلمة جامعة، تغني عن ذكر ضروب من العذاب، لأنّ من أحاط به كفره فقد أحاطت به كلّ خطيئته.
وعلى نحوٍ من هذا جاء قوله: «إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَ الْإِحْسانِ وَ إِيتاءِ ذِي الْقُرْبى وَ يَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَ الْمُنْكَرِ وَ الْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ».[٤]
فهذه الآية من جوامع الآيات الواردة في القرآن الكريم، الباهرة البالغة أعلى درجات الإعجاز، المثيرة للإعجاب!
روي أنّ النبي صلى الله عليه و آله قرأها على الوليد بنالمغيرة، فقال له: يا ابن أخي أعده. فأعاد النبي صلى الله عليه و آله قراءتها عليه. فقال له: إنّ له لحلاوة، وإنّ عليه لطلاوة، وإنّ أعلاه لمثمر، وإن
[١] - المثل السائر، ج ٢، ص ٣٤٨.
[٢] - البقرة ٢٧٥: ٢.
[٣] - فاطر ٣٩: ٣٥.
[٤] - النحل ٩٠: ١٦.