التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٨٧ - ترسيم النموذج الإنساني
إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ».[١]
* ويريد أن يبيّن أنّ الإنسان لايعرف ربّه إلّا في ساعة الضيق، حتى إذا جاءه الفرج نسي اللّه الذي فرّج عنه. ولكنّه لايقولها في مثل هذا النسق الذهني، إنّما يرسم صورة حافلة بالحركة المتجدّدة والمشاهد المتتابعة، ويرسم في خلالها «نموذجا إنسانيا» كثير التكرار في بني الإنسان:
«هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَ الْبَحْرِ حَتَّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَ جَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَ فَرِحُوا بِها جاءَتْها رِيحٌ عاصِفٌ وَ جاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ وَ ظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنا مِنْ هذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ. فَلَمَّا أَنْجاهُمْ إِذا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ».[٢]
وهكذا تحيى الصورة وتتحرّك، وتموج وتضطرب، وترتفع الأنفاس مع تماوج السفينة وتنخفض، ثمّ تؤدّي في النهاية ذلك المعنى المراد أبلغ أداءً وأوفاه.
* ويريد أن يبرز حالة «نموذج» من الناس، ظاهرهم يغري وباطنهم يؤذي، فيرسم لهم صورة كما يأتي:
«وَ مِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَ يُشْهِدُ اللَّهَ عَلى ما فِي قَلْبِهِ وَ هُوَ أَلَدُّ الْخِصامِ. وَ إِذا تَوَلَّى سَعى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها وَ يُهْلِكَ الْحَرْثَ وَ النَّسْلَ وَ اللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسادَ».[٣]
فيستعيض من الوصف الحركة والتصرّف، ويبرز المفارقة بين الظاهر والباطن في نسق من الصور المتحرّكة في النفس والخيال.
* وفريق من الناس ضعيف العقيدة، ضعيف العزيمة، مستور الحال، لايتبيّن ضعفه في فترة الرخاء، فإذا جدّ الجدّ وجاء الشدّ ظَهرَ هذا الضعف على أتمّه. هؤلاء يصوّرهم نموذجا واضحا في هذه الكلمات:
[١] - الأنعام ٧: ٦.
[٢] - يونس ٢٢: ١٠- ٢٣.
[٣] - البقرة ٢٠٤: ٢- ٢٠٥.