التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٨٨ - تشخيص الحوادث الواقعة
«وَ يَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْ لا نُزِّلَتْ سُورَةٌ فَإِذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَ ذُكِرَ فِيهَا الْقِتالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ».[١]
ومنظر المغشيّ عليه من الموت معهود، فما هو إلّا أن يذكر التعبير، حتى تبرز صورتهم في الضمير، مصحوبة بالسخرية والتحقير.
* وقد يبرز هذا «النموذج» في حادثة مرويّة، فيتجاوز الحادثة الخاصّة ويخلد نموذجا عامّا:
«أَ لَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسى إِذْ قالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنا مَلِكاً نُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ أَلَّا تُقاتِلُوا قالُوا: وَ ما لَنا أَلَّا نُقاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَ قَدْ أُخْرِجْنا مِنْ دِيارِنا وَ أَبْنائِنا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ».[٢]
وفي هذا المثال يزيد على الضعف، تلك اللجاجة في أيّام السلم، وإظهار الشجاعة والاستبسال، ثمّ الخور والجبن، عندما تحين ساعة النضال.
وليست هذه حادثة تقع مرّة وتمضي، ولكنّه نموذج مكرّر في بني الإنسان، لايتقيّد بالزمان والمكان.
تشخيص الحوادث الواقعة
القصص في القرآن كثيرة، وحديثه عن حوادث غابرة أو آتية أيضا كثير، ولاشكّ أنّه كتاب عظة وحكمة، وفي نقل الحوادث وأخبار الماضين عبرة، والحديث عن سوء المصير أو حسن الخاتمة مدعاة إلى الصلاح وتربية التقوى في النفوس. في كلّ ذلك لايختلف القرآن عن غيره من كتب الإرشاد والهداية العامّة سوى أنّ القرآن عندما يسرد قضايا سالفة أو يخبر عن أحوال مستقبلة فإنّه يرسمها بصورة تجسيد حاضر، وكأنّها لوحة أو مشهد منظور، يتجاذب إليها نفوس النظّارة ويرونها كشاهد عيان. ومن ثمّ فتنتاب نفوس المستمعين من حالات وجد ورغبة أو رهب ووحشة كما تنتاب نفوس النظّارة
[١] - محمَّد ٢٠: ٤٧.
[٢] - البقرة ٢٤٦: ٢.