التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤٨٠ - رسالة الزمخشري في إعجاز سورة الكوثر
موقع الفُرات[١] من الحرّان،[٢] وتنزل منه منزلة السداد من الحيران، وكرّر الطلب وردّد، وألحَّ فيه وشدّد، وضيَّق عَليَّ الأمر وعوّصه، وقال: أنت الذي عيّنه اللّه وشخّصه، حتّى لم أجد بدّا من إجابته إلى ماأراد، وإسعافه بما أبدأ فيه وأعاد، وكان أمثل الأمرين أن ألجم نفسي وأحجرها، وأن القمها حجرها، ولا أفغر بمنطقٍ فما، ولا أبلّ بجوابٍ قلما، وليس بينَ فكَّيَّ لسانٌ دافع، وليس في ماضغيَّ ضرسٌ قاطع، ولا بين جنبيَّ نفس حركة نشيطة، ولكن حردة[٣] مُستشيطة، لِما أنا مفجوع به من مفارقة كلّ أخٍ كان يسمع مِنّي الكلمة الفذّة فيضعها على رأسه، ويَعضَّ عليها بأضراسه، ويتقبّلها بروحه، ويلصقها بكبده، ويجعلها طوقا في أعلى مُقلَّده، ويُسكنها صميمِ فؤاده، ويخطّها على بياض ناضره بسواده، لولا خيفة أن تسوّل له نفسه أنّني أقللتُ الاكتراث بمراسلته، وأخللتُ الاحتفال بمسألته وأن يقول بعض السمعة- ممّن يَحسِب لساني لسان الشمعة-: أقسم باللّه قسَما، ماوجدَ في دَيسم[٤] دَسما، فمن ثمّ ضَربَ عنه صفحا، وطوى عنه كشحا، ولم يولِه لمحة طرف، ولم ينطق في شأنه بحرف.
أمّا العرب فقد صحَّ أنّ لُغتها أصحّ اللغات، وأنّ بلاغتها أتمّ البلاغات، وكلّ من جمحَ في عنان المناكرة، وركبَ رأسه في تيه المكابرة، ولم يرخ للتسليم والإذعان مشافره[٥] فما أفسد حواسّه ومشاعره! وهو ممّن أذن بحربٍ منه لعقله الذي هو إمامه في المراشد، ولتمييزه الذي هو هاديه إلى المقاصد.
اعلم يا من فُطِرَ على صلابة النبع، وامِدَّ بسلامة الطبع، ووُفّق للمشي في جادّة العدل والإنصاف، وعُصِمَ من الوقوع في عاثور الجور والاعتساف، فإنّ واضع هذا اللسان
[١] - الفُرات: أشدّ الماء عذوبة.
[٢] - الحرّان: العطشان.
[٣] - يقال: حَرَد الرجل حُرودا إذا تحوّل عن قومه وانفرد.
[٤] - الديسم: بالفتح ولد الدبّ، قال الجوهري: قلت لأبي الغوث: يقال إنّه ولد الذئب من الكلبة، فقال: ماهو إلّا ولد الدبّ، وقال في المحكم: إنّه ولد الثعلب. وقال الجاحظ: إنّه ولد الذئب من الكلبة، وهو أغبر اللون، وغبرته ممتزجة بسواد، وحكمه تحريم الأكل على كلّ تقدير. الحيوان، ج ١، ص ٣٤٣.
[٥] - الشُّفر- بالضم، وقد يفتح-: أصل منبت شعر الجفن.